كيف بُنيت الأهرامات ؟ – نظرية الأحجار الخرسانية

يتساءل معظم زائري الأهرامات المصرية، والدهشة تملك عليهم نفوسهم.. كيف بُنيت هذه الأهرامات؟
فلو طلبنا من المهندسين المعماريين الآن أن يشيدوا هرما مثله تماما فمن المرجح أنهم سيتراجعون ويحجمون، بالرغم مما تيسر لهم الآن من الآلات، والأجهزة العصرية، واستفادتهم من تجارب مدة تُقدر بآلاف السنين.

إن سؤال كيف بُنيت الأهرامات هو أحد الأسئلة الأربع الشهيرة التي لا تنفك تدور حول الأهرامات.. والثلاثة الباقين هم لماذا بُنيت ومتى ومن بناها؟

عام 2002 خرج بروفسور كيميائي فرنسي يُدعى «جوزيف دافيدوفيتس» بنظرية جديدة في بناء الأهرامات.
كان المختبر الذي يرأسه قد قام لتوه بتصنيع تمثالا صغيرا من الجرانيت الأحمر الصناعي المشابه لجرانيت الطبيعة وكان دافيدوفيتس جالسا مع زميل له في متحف التاريخ الطبيعي في باريس فسأله مداعبا: “ماذا لو قمنا بدفن ذلك التمثال المصنوع في الرمال ثم عثر الأثريون عليه بعد 3000 عاما من الآن؟”.

لقد نبتت في ذهنه وقتها فكرة مُعينة.. أن قدماء المصريين قد استعملوا تقنية مشابهة في صناعة أحجار الأهرامات، ورأى أن حجارة الأهرامات صُنعت كيميائيا ولم تُقتطع من المحاجر..
مكث «دافيدوفيتس» ما يقرب من 10 أعوام لإثبات تلك النظرية حتى أصدرها.

لقد اشتهرت نظيرة دافيدوفيتس في العالم العربي بالذات وأصبح لها مؤيدون وخصوم.
معظم المنتديات العربية قد تلقفتها وأسمتها (نظرية الطين المحترق) واعتبروا أن تلك الطريقة هي نفسها طريقة بناء فرعون المذكورة في القرآن الكريم، وأن القرآن سبق العالم بتحديد كيف بُنيت الأهرامات.
وأما الخصوم فاعتبروا أن دافيدوفيتس دجال يتحدث عن خلطة كيميائية وهمية تحول الطين إلى صخر.
وفي الحقيقة أن كلا الفريقان ظلم دافيدوفيتس الذي اتبع منهجا علميا دقيقا من أجل إثبات نظريته بل وقام بتجربة عملية مُوثقة لإثبات صحة نظريته ورغم وجود بعض الثغرات في النظرية إلا أنها تُعتبر أكمل النظريات صدورا حتى الآن. وليس هناك ما هو أبسط من قراءة كتابه الأصلي قبل تبني أو رفض فكرة.


جوزيف دافيدوفيتس ومعهد جيوبوليمر

جوزيف دافيدوفيتس (Joseph Davidovits) هو بالأساس عالم وكيميائي فرنسي، له عدد من الرسائل والأبحاث في الجامعات الفرنسية والألمانية في الكيمياء، وهو رجل أكاديمي من طراز رفيع. نال عددا من الجوائز لإنجازاته العلمية أعظمها إسهاماته في فرع جديد في الكيمياء يُعرف باسم Geopolymer.

الجيوبوليمر هو علم يبحث في المواد التي يُمكن الحصول عليها بطرق صناعية من خلال عمليات كيميائية مماثلة للتي تحدث في الطبيعة لكنها قد تستغرق ملايين من السنين.

لتقريب ذلك المعنى نفترض أن نوعا معينا من الصخور البركانية نشأ عبر مئات الألاف من السنين، فبواسطة علم الـ Geopolymer يمكنك صناعة صخور مطابقة لتلك الصخور كما لو كانت طبيعية. في الحقيقة أنها لا تكون مطابقة تماما لها.. لكنها شديدة التماثل إلى درجة لا يُمكن من خلالها معرفة الطبيعي من الصناعي ولو حتى بواسطة الميكروسكوب العادي لكن فقط بواسطة الميكروسكوب الإلكتروني.

أسس جوزيف دافيدوفيتس معهد Geopolymer، وهو معهد بحثي غير هادف للربح، لكنه يقوم بتطوير تلك التقنية بهدف تقديمها للعالم الصناعي.

بدأت قصة دافيدوفيتس مع الأهرامات حين كان المعهد قد أنتج لتوه تمثالا صغيرا من الجرانيت الأحمر وكان دافيدوفيتس جالسا مع زميل له في متحف التاريخ الطبيعي في باريس وسأله مداعبا: “ماذا يحدث إذا قمنا بدفن ذلك التمثال المصنوع في الأرض ثم عثر الأثريون عليه بعد 3000 عاما من الآن؟”. أجابه زميله أنهم سيظنون أنه لا ريب من عصر القديس كوينتن، وأن أقرب محجر له هو في مصر بأسوان.

لقد نبتت في ذهنه وقتها فكرة! أن قدماء المصريين قد استعملوا تقنية مشابهة. ليس في صناعة أحجار الأهرامات فحسب، لكن في جميع الألغاز الحجرية الأخرى مثل أوعية سقارة الحجرية والتوابيت.
لقد استهوته الأهرامات كما استهوت آلاف غيره، فوضع أساسا لنظريته التي تحدث فيها عن كيفية بناء الأهرامات بواسطة حجارة مصنعة في أواخر السبعينات، ناقشها أمام عدد من المحافل العلمية على مدار سنوات لكنها لم تخرج للنور في شكلها الكامل إلى عام 2002.

تماثيل عديدة من الأحجار الجيرية، والرملية، والجرانيت، تم إنتاجها بواسطة تقنية الجيوبوليمر

رأى دافيدوفيتس أن أحجار الهرم لم تُقتطع كقطعة واحدة لكنها صُبت في قوالب خشبية مكونات من مسحوق الجير والصوديوم كاربونيت ومواد أخرى.. وقد قدم لنظريته 4 إثباتات. إثبات علمي. وإثبات تجريبي حيث صنع أحجار مشابهة، وإثبات ثالث ديني بناء على العقيدة المصرية القديمة وإثبات رابع مستوحى من النصوص الهيروغليفية.

كان جوزيف يعلم تمام العلم أن سيخوض في حقل الأشواك بوضع فرضية جديدة تماما في الأهرامات التي يعتبرها الأثريون منطقة مُحرمة لا يجوز لأحد التحدث عنها حتى ولو كان عالما من وزن دافيدوفيتس.

وبشكل شخصي أرى أن نظرية جوزيف دافيدوفيتس من أقوى النظريات التي خرجت حول كيفية بناء الأهرامات. ورغم وجود نقاط ضعف فيها (كأي نظرية أخرى)، إلا أنها تُعد أكثر صدقا وإقناعا من نظريات التيار الرسمي التي تتحدث عن سحب الأحجار على الطريق الصاعد بواسطة الثيران والعُمال أو رفعها بواسطة الروافع الخشبية مثلما كتب هيرودوت.


الإثبات العلمي

كان التحدي الأول أمام دافيدوفيتس هو المحاجر الأصلية للأهرامات. كانت دراسته تحديدا على أهرامات الجيزة. وأهرامات الجيزة بشكل عام تتكون من 3 أنواع من الأحجار، الحجر الجيري ويأتي من هضبة الجيزة ومنه يتكون جسم الهرم نفسه، والحجر الكلسي (الكساء الخارجي) ويأتي من محاجر طرة على الجانب الآخر من نهر النيل، وثالثا الصخور الصلدة الجرانيت والديوريت والبازلت التي تأتي من محاجر أسوان والفيوم.

الجيولوجيين والأثريون وحتى التيار الحداثي مُجمعون أن جزء من محاجر الأهرامات هي التي بين خوفو وخفرع وقد اقتلع منها الأحجار الأساسية للهرم.
لفت دافيدوفيتس الأنظار إلى خرطوشة مكتوبة يتجاهلها الجميع على أحد الجدران في نفس موقع السهم الأحمر.. فلمن تلك الخرطوشة؟

صور المحاجر بين هرمي خوفو وخفرع .. بلوكات ضخمة في حجم أحجار الأهرامات

يتضح أنها خرطوشة رمسيس الثاني.
أمام التيار الأثري الرسمي الذي يؤمن بالأختام والخراطيش سيكون هذا دليلا قويا على أن ذلك المحجر ينتسب لرمسيس الثاني الذي حسب كلام المؤرخين قد جاء بعد عصر الأهرامات بـ 1400 سنة، ورغم أن رمسيس الثاني لم يقم بأي أعمال مطلقا داخل هضبة الجيزة، إلا أن تلك الخرطوشة وضعت الجميع في ورطة.

خرطوشة رمسيس الثاني على جدران محاجر الأهرامات

فهم لا يستطيعون إنكار الخرطوشة أو يقولون إن رمسيس كان يُحب النقش على كل شيء فنقش على محاجر الأهرام بالمرة، لأن ذلك سيهدد مئات العاديات المنسوبة لرمسيس الثاني، وفي نفس الوقت لا يمكن الاعتراف بها لأنها ستعني صدق ادعاء دافيدوفيتس أن تلك ليست مقالع حجارة الأهرامات. ولذلك فهم يتجاهلون وجودها ولا يذكرونها.

عند تحليل تلك العينات من أحجار الأهرامات عثر فيها على فقاعات هوائية، وألياف (اضغط للتكبير)

بعد اتخاذ التصاريح، بدأ دافيدوفيتس وفريقه بجمع العينات اللازمة من الأهرامات، وقد أخذ 5 عينات من الأهرامات. عند تحليل تلك العينات من أحجار الأهرامات عثر فيها على فقاعات هوائية، وألياف. كان هذا غريبا. فلم يكن من المفترض أن تظهر تلك العلامات إلا في حالة وجود أن تلك الأحجار اختلطت بمواد صناعية، ولا يُمكن أن توجد في الطبيعة.

بدراسة منطقة هضبة الجيزة ككل، لاحظ دافيدوفيتس في أماكن عدة وجود أحجار بهيئات مُثيرة للتساؤل.

لقد لاحظ وجود أحجار منفصلة داخل أحجار أخرى، كما لاحظ شروخ في أحجار أخرى، شروخ تبدو غير ناتجة عن كسور نتيجة ارتطام، لكنه أوعز أنها شروخ ناتجة عن تفاعلات داخل الحجر نفسه أدت إلى فصل الصفائح الحجرية عن بعضها البعض.

في الصورة الأولى لاحظ وجود أحجار منفصلة داخل أحجار أخرى مما أثار تساؤله .. وفي الثانية تظهر شروخا تبدو غير ناتجة عن كسور نتيجة ارتطام، لكنه أوعز أنها شروخ ناتجة عن تفاعلات داخل الحجر نفسه

كذلك لاحظ دافيدوفيتس وفريقه في أماكن أخرى من الهضبة فواصل متعرجة بين الأحجار، حين قام بتحليلات مجهرية على عينات الأحجار في مختبره على المستويين في الصورة السفلى، لاحظ أن صفائح الأحجار السفلى متوازية بينما صفائح الأحجار العلوية متقاطعة. فطن أن السبب هو أن الأحجار السفلية هي جسم هضبة الهرم نفسه، أما العلوية فعبارة عن مكعبات حجرية تم تصنيعها، ولذلك فصفائحها تقاطعت نتيجة التفاعلات الكيميائية.

صور من ما يطلق عليه بقايا المعابد الجنائزية حول الأهرامات

 

المعادلات الكيميائية التي توصل لها دافيدوفيتس لتخليق حجارة الاهرام

كانت الخطوة التالية هي التوصل إلى كيفية عمل هذا التركيب.. وقد أخذ ذلك منه بضعة سنوات على فترات متقطعة يتوقف بحثه ثم يرجع لاستكماله.
لقد قام دافيدوفيتس مع فريقه بعد مرحلة التحليل في المختبر بالتوصل إلى المعادلات الكيميائية التي ستؤدي في النهاية إلى تخليق الأحجار التي ستستخدم في بناء الهرم، وبدأ في خطوات صناعة أول قالب حجري خرساني.
قام بإحضار فتات الجير وأحجار الجير الصغيرة الموجود طبيعيا في هضبة الهرم وأذابها في محلول كربونات الصوديوم، يقوم بإضافة جير مرة أخرى، ينتج عن ذلك التفاعل الصودا الكاوية، يتم إضافة مادة الكاولين التي تتفاعل مع الصودا الكاوية ثم ملح الكارناليت. يتم أخذ الناتج ويوضع في قوالب خشبية بأي ويتم دكها تباعا حتى تصل للشكل المطلوب، وبعد عدة ساعات تترك لتجف، وعند فك القوالب، تظهر الأحجار. (بعد أسطر قليلة سنعرض فيديو تجربة حية للنظرية)

 

استطاع دافيدوفيتس التوصل لبناء قالب حجر مماثل لأحجار الأهرامات في مختبره

واستطاع بالفعل بعد عدة تجارب في المختبر إنتاج قالب حجر مماثل لحجارة الأهرام تم تركيبه كيميائي.

عام 2002 قاما بإرسال عينتين من حجارته الخرسانية المُصنعة إلى مختبرين جيولوجيين كبيرين في فرنسا دون إعطائهم تفاصيل عن ماهية تلك الأحجار. الأول هو مختبر BRGM الجيولوجي الفرنسي والتاني القسم الجيولوجي في متحف التاريخ الطبيعي في باريس وكلا المختبرين يحمل سمعة عالمية. نتيجة المختبرين كانت ستعني الكثير لدافيدوفيتس، إذا لم يستطع المعملين معرفة أن الأحجار صناعية فإن ذلك يعني أن العين المجردة كذلك لن تستطع معرفة طبيعة حجارة الأهرام.

الميكروسكوب الإلكتروني

قام المختبرين بحمل التحاليل اللازمة وأصدرا تقريرين أن جميع المكونات في الحجر (الكوارتز – النيموليت – والمكونات الأخرى) هي مكونات طبيعية تماما غير صناعية، كان هذا الاختبار بواسطة الميكروسكوب البصري.
في الحقيقة أن العينات كانت تحتوي على 10% مواد صناعية في المختبر. فإذا كان اثنين من أكبر المختبرات الفرنسية بأجهزة علمية متطورة لم تكتشف الجزء الصناعي، فإن الجيولوجيين والأثريين لن يكتشفوها أيضا.

بعد صدور التقريرين أخبرهم دافيدوفيتس بالحقيقة وهي أنه قام بإقحام مواد صناعية في الأحجار نحتاج إلى الكشف عنها، ولم يمكن هذا ليتم إلا باستخدام تقنية أعلى وهو الميكروسكوب الإلكتروني. وقد تم ذلك بعدها بأربعة أعوام في عام 2006  بلجنة من ثلاثة علماء اثنين من أمريكا وواحد من فرنسا وقد نشر أسماءهم ومراكزهم وتفاصيل ما توصلوا إليه في كتابه. إن دافيدوفيتس لم يكن ليغامر بسمعته العلمية ولقد كان دقيقا للغاية ويتبع خطوات علمية ومنهجية في إثبات نظريته تلك. (1)


تجربة عملية

من أقوى ما قدم جوزيف دافيدوفيتس لتدعيم نظريته وإثبات صحتها هو تجربة عملية موثقة ومصورة.

لقد قام ببناء هرما صغيرا يزن 15 طنا من عدة أحجار، كل حجر يزن ما يقرب من 2 طن. وهو بهذه التجربة سبق الكثيرين ممن ادعوا أفكارا على الورق لم يستطيعوا أن يثبتوها. وقد كان في وسعه أيضا أن يعلوا بهرمه لأن الوسيلة بسيطة نسبيا، بعكس نظرية سحب الأحجار الضخمة على الطريق الصاعد مثلا التي لن تفي الكثافة البشرية بها.

كما قدم دافيدوفيتس حسابات أنه يُمكن من خلال تلك الطريقة بناء الهرم الأكبر بعدد ألفي شخص في نفس الفترة (20 عاما)، وهو أقل كثيرا من الرقم الذي يتبناه العلماء رسميا 100 ألف بناء على ما ذكره هيرودوت.

بذلك فقد قدم دافيدوفيتس برهان علمي وبرهان تجريبي. وتبقى له برهانان أخران وهو الديني المستوحى من العقيدة المصرية القديمة، والبرهان الرابع المستوحى من النصوص الهيروغليفية ولن أتحدث عنهما في هذا المقال، لكن بإمكانك الرجوع للمصادر بالأسفل وستجد فيها تفصيلا أكثر عن البرهانين.


نشر النظرية

نشر دافيدوفيتس نظريته في كتاب لماذا بنى الفراعنة الأهرامات بحجارة صناعية، كما نشر نظريته في عددا من الأوراق والأفلام الوثائقية متاحة على الإنترنت.

وقد لاقت نظريته قبولا من أساتذة على مستوى علمي متميز في مؤسسات علمية راقية مثل: أساتذة من معهد MIT وجامعة دراكسيل في الولايات المتحدة، جامعة نامور ببلجيكا، وديلفيت بهولندا وأساتذة أخرين من ملبورن ومومنبلييه وعددا آخر من الجامعات العالمية.

لكن يبقى اعتراف المدرسة الأثرية المصرية هو الأهم، وعلى رأسهم دكتور زاهي حواس والبروفسير الأمريكي مارك لينر، إن اعتراف أيا من هذين الإثنين بنظرية ما يرجح كفتها.

كان رد دكتور زاهي حواس بعيدا تماما عن أي تفصيل علمي حيث قال لصحيفة نيويورك تايمز: والفكرة القائلة بأن حجارة الأهرام هي خرسانية مُصنعة مستحيلة وغير مثبتة تماما.. مشيرا إلى أن الأهرامات تم ترميمها وتعزيزها عدة مرات مع الاستخدام المكثف للخرسانة، وأود أن أسأل الدكتور برسوم (أحد الذين اعترفوا بالنظرية من جامعة دراكسيل) سؤالا: من أين حصل دافيدوفيتس على العينات التي استخدمها في بحثه؟ وكيف يمكن التأكد أن العينات لا تؤخذ من المناطق التي تم ترميمها في العصر الحديث؟ (2)

وتفصيلا لما قاله دكتور زاهي حواس أن عينات الأهرام التي أخذها دافيدوفيتس ربما كانت مُعدلة، وحلا لهذا الإشكال في رأيي أن يأخذ بروفسير دافيدوفيتس بعض عينات من داخل الهرم نفسه بعيدا عن أي أيدي، وفي اعتقادي أنه كرجل علم يبحث عن الحقيقية قد حاول طلب ذلك، لكن طلبه رُفض. لم يذكر ذلك في كتابه أو في محاضراته، لكن ما زلت أعتقد أنه حاول وحي رُفض طلبه لم يكن من بد إلا أن يأخذ عيناته كلها من جسم الأهرامات

يقول دافيدوفيتس “أن نظريته يبدو كما لو تم تجاهلها، وأنهم اعتبروا أنه فتى هاوي لا تؤخذ أبحاثه على محمل الجد”. (3)

وفي الحقيقة هذا شيء يدعو للأسف، إذ أن أي إضافة جادة لفهم ألغاز الحضارة المصرية ستفتح أبوابا مغلقة عديدة، أما إذا تم التعامل مع شغف الباحثين الجاديين بهذا الاستهتار سيجعل الأثار المصرية محصورة فقط في قائمة من النظريات الخرقاء التي يتم فرضها رسميا على الجميع. كان يجب على الأقل التعامل بشكل أكثر جدية، كأن يتم تشكيل لجنة مصرية أو مصرية – أجنبية وتوثيق الرد ونشره في كتب أو على الإنترنت بشكل علمي منهجي أما أن يتم الرد من خلال مقالات الصحف فقط الشكل فهذا يجعل خصوم النظرية يبدون كالحمقى!


ثغرات في نظرية دافيدوفيتس

رغم أن نظرية دافيدوفيتس غاية في القوة والتكامل إلا أنها واجهت تحديات، خاصة من المجتمع الهاوي على الإنترنت، نسرد بعض تلك التحديات.

 

  1. الكتل الحجرية ليست دائما مستقيمة ومتناسقة، بل في هذه الصور وغيرها كثير كتل بأشكال عشوائية ويعني ذلك أن تلك الكتل لم تُصب في قوالب خشبية، بل اُقتطعت من محاجر ووضعت كما هي.

    كتل حجرية غير متناسقة في هرمي ميدوم والمنحني بدهشور
  2. فواصل وتجاويف عريضة بين أحجار هرم منقرع والمنحني، أي أن تلك الحجارة لم تُصب وترص بناء على نظرية دافيدوفيتس، فلو حدث لما كان هناك فواصل، او كانت الفواصل أقل من 1 مم

    كتل حجرية في هرمي منقرع والمنحني بفواصل واسعة
  3. أحجار الجرانيت في خوفو ومنقرع، تتراوح من 10 طن وتصل إلى 70 طن يثبت أن قدماء المصريين كان عندهم تقنيات لقطع الصخور ورفعها بأحجام كبيرة، كل تلك الأحجار اقتطعت من محاجر أسوان، وآثاراها ما زالت موجودة، فهذا يدل أن قطع الحجر الجيري كان في الإمكان كذلك.

    أحجار الجرانيت في حجرة الملك خوفو وحول هرم منقرع
  4. ما زات المحاجر في هضبة الجيزة تحوي أثار الأحجار المقتطعة، وليس معنى وجود خرطوشة رمسيس الثاني أنه هو من اقتطع تلك الأحجار، كما أنه لا يُعرف لرمسيس الثاني أعمال داخل هضبة الجيزة أو بجوارها.. فلماذا اقتطع الأحجار؟

    أثار الأحجار المقتطعة في هضبة الجيزة

بين حجارة الأهرام وطين فرعون

من أكثر النظريات التي تم ابتذالها على المواقع والمدونات والمنتديات العربية هي نظرية دافيدوفيتس سواء من المهاجمين لها أو المتحمسين لها.
المهاجمين لها قالوا أن دافيدوفيتس يزعم أن الفراعنة كانوا يُضيفون مكونات معينة سرية إلى الطين فيتحول إلى حجارة دون ذكر ماهية تلك المكونات، والمتحمسين يقولون أن دافيدوفيتس يقول ما قاله القرآن من 1400 عام في سورة القصص (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا) وما حجارة الأهرامات إلا طمي النيل وقد تم تسخينه.
وفي الحقيقة أن الفريقان جانبهما الصواب. فدافيدوفيتس قد ذكر في كتابه المكونات التفصيلية والمعادلات الكيميائية والكميات المطلوبة بدقة شديدة حتى إذا ما أراد أحد بناء هرم بنظرية دافيدوفيتس فسيمكنه فعل ذلك فورا فليس هناك من مكونات سرية بل كلها معلومة ومنشورة لمن أراد.
كما أنه ذكر الخطوات موضحة بالرسم ومدعمة بمواقع فيديو على الإنترنت وليس فيها ذكر لطمي النيل ولا عمليات تسخين مطلقا. وهناك مقالة سابقة على المدونة أحاول فيها إثبات أن فرعون هو ملك من الملوك الهكسوس وأبعد ما يكون عن ملوك وادي النيل، غير أنه مثله مثل ملوك عصر الأسرات في تلك الفترة استخدم طين النيل المحترق في البناء.

وبشكل شخصي لست مقتنعا تماما بنظرية الجيولوليمر (الأحجار الخرسانية) .. لكني رأيت أن الحديث عنها سيكون مهما من باب إزالة اللبس والإفتراءات حول تلك النظرية .. ولا يمنع عدم إيماني بها أنها تُعد من أقوى النظريات التي خرجت في بناء الأهرام وأكثرها تماسكا وتكاملا. وسنتعرض لنظريات أخرى في المدونة قريبا تدور حول نفس الموضوع
كيف بُنيت الأهرامات ؟

المصادر

  1. كتاب Why the pharaohs build the pyramids with fake stones البروفسير Joseph Davidovits
  2. الموقع الرسمي لـ Joseph Davidovits
  3. كتاب Why the pharaohs build the pyramids with fake stones البروفسير Joseph Davidovits
  4. محاضرة مسجلة بعنوان Building the pyramids with artificial stones

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: