إعجاز معماري في معبد دندرة

حينما أراد قدماء المصريين أن يبنوا معابد بأعمدة شاهقة عهدوا بذلك للمهندسين والمعماريين، وحينما أرادوا نقش المعابد ونحت رؤوس الأعمدة وتلوينها عهدوا بذلك للرسامين والنحاتين لإتمام تلك الأعمال الفريدة، أما حين تساءلنا نحن في تعجب كيف استطاعوا فعل كل ذلك؟ تصدى للمشهد المؤرخون وعلماء المصريات! (1)

ومع ما أكنه من تقدير لهم وفضلهم في سرد الوقائع التاريخية وتفسيرها إلا أن تفسير هندسة الأبنية تفسيرا تاريخيا أو عقائديا فقط أضر بها، أو على الأقل أهمل الشق الأروع فيها.

إننا إذ أردنا اليوم إنشاء مستشفى فسنعهد بذلك للمعماريين والإنشائيين لا بالأطباء والممرضين، مع الأخذ في الاعتبار أراء الأطباء والممرضين من أجل الوصول إلى البناء الأمثل، وكان يجب أن تكون تلك هي الحالة في حالة المعابد المصرية.

لقد أسهب الباحثون في وصف روعة معبد دندرة على مر التاريخ، أشهرهم الإنجليزية إميليا إدواردز(2)، لكن مع التطور التكنولوجي الكبير في آخر 20 عاما، ودخول الكمبيوتر والكاميرات الرقمية. أصبحنا نرى أشياء لم يكن يتسنى لنا أن نراها من قبل بالعين المجردة فصار لزاما إعادة النظر في تلك المعجزة المعمارية وسنتأكد بعدها أنها لم تُوف حقها في الدراسة والتقييم حتى الآن.

إن الحضارة المصرية لم تتفوق على مثيلاتها في الشرق والغرب بسبب أنهم عبدوا آلهة أكثر.. أو لأنهم قدسوا الشمس أو النيل.. بل تفوقت بسبب المُعجزات الهندسية في البناء والنحت.. وهذا بحق ما يستحق الدراسة والتأمل.


الفرضية الدينية في بناء الصروح

علم التاريخ المصري القديم على أساس فرضية يعتبرها العلماء نقطة بداية في تحديد الغرض الذي أُنشئ من أجله أي بناء أثري قديم وهي أن إيمان قدماء المصريين بالبعث والآخرة كان هو الدافع الأول والوحيد وراء كل الأعمال والممارسات والأنشطة التي قاموا بها صغيرها كان أو كبيرها. (3)
تُطالعك تلك الفرضية في أي كتاب يتحدث عن التاريخ المصري القديم كأنما يُريد الكاتب أن يؤكد لك مقدما أن أؤلائك القوم كانوا نوعا خاصا ومختلفا من البشر عن جميع الأجناس والأقوام، وأن عليك أن تؤمن بذلك مقدما إيمان لا يقبل الجدل. ثم يشرع الكتاب في سرد الأحداث مطمئنا إلى ذلك الأساس الخرساني الراسخ.

أصبحت الأعمال الهندسية مثل إنشاء صرح، إقامة معبد، تأسيس مدينة، نحت تمثال، مرتبطة بالمعتقدات الدينية برباط لا انفصام له حيث تدخلت إرادات الآلهة والإلهات في حياة الجماعات البشرية.
إن الأعمال العظمى في التاريخ لا يُمكن تفسيرها إلا على أساس مصالح الجماعات البشرية، ومن بين هذه الأعمال العُظمى ما يُعرف بالمعابد المصرية.
الكرنك، الأقصر، هابو، دندرة، حورس، سوبك، أسماء لصروح مصرية فريدة رُفعت على عماد شاهق مُحكم.
أصحاب تلك الأبنية لم يكونوا جنا ولا عفاريتا ولا دراويشا ولا كائنات أسطورية، بل كانوا بشر تحكمهم نفس الغرائز والدوافع والعقائد التي تحكمنا. ولكي يصلوا إلى ذلك المستوى الحضاري غير المسبوق استندوا إلى ركنين، العلم والوسائل، ثم لا شيء ثالث.

فإذا خطونا تلك الخطوة الأولى فسنستطيع أن نتمثل الظروف التي عاشوا فيها والوسائل التي كانت مُتاحة لهم محاولين أن نتقمص شخصياتهم تقمصا كاملا، ونضع أنفسنا في مكانهم، ثم ننظر.. ماذا سنفعل لو كنا في مكانهم؟ فعند إذ سنجد الطريق أمامنا مفتوحا للفهم والتفسير والاستنتاج.

وهذه الخطوة بالذات هي التي يفتقدها على التاريخ المصري القديم بسبب الغمامة الكثيفة التي يضعها على عينيه والمتمثلة في تلكم الفرضية العجيبة التي يختص بهما القدماء المصريين دون غيرهم! (4)

أليس غريبا أن كل مباني مصر القديمة عبارة عن معابد؟ الكرنك معبد.. ادفو معبد.. الأقصر معبد.. أبو سمبل معبد.. اعتبار أن جميع الصروح معابد هو شيء غير منطقي، ليس هذا فحسب بل المنشئات والغرف الداخلية كذلك، انظر معي .. “قدس أقداس المعبد، سرداب الكهنة، مقصورة المركب المُقدس، الغرفة الجنائزية، البحيرة المقدسة، ممشى الاحتفالات الدينية، الاستراحة المقدسة”، كلها أسماء تُشعرك بالكهنوتية المفرطة. خصوصا إذا رأينا نقوشا تنافي تلك الحقيقة.

أدوات جراحة شبيهة من التي تُستخدم اليوم – معبد سوبك بكومامبو (اضغط للتكبير)

ففي معبد سوبك بكوم-امبو مثلا.. نجد على الجدار تقويما لمواسم الزراعة، وفي آخره جداريات تُمثل أدوات جراحة شبيهة من من التي تُستخدم اليوم. فمن غير المنطقي أن نعتبر أن كُل تلك معابد، فهل يُمكن أن نرى اليوم مسجدا أو كنيسة بداخلها لوحات كتلك؟
لإحداث نهضة حضارية كالتي نراها في مصر القديمة كان يجب أن يكون هناك مؤسسات تعليمية كمدارس وجامعات، ومراكز بحثية ومعامل ومستشفيات وكان يجب أن يكون هناك أيضا  مؤسسات وقواعد عسكرية وغير ذلك كثيرا، أما اختزال فائدة تلك الأبنية في الابتهالات وتقديم القرابين وتلاوة التعاويذ فلا يختلف كثيرا عن اعتبار الأهرام مقابر.

لكن لماذا افترض علماء المصريات أن كل تلك الأبنية معابد؟
حينما مرت عليها آلاف الأعوام، وانمحت الاستعمال وظائفها الحقيقية، وانطمست الأغراض الحياتية لبنائها، لم يتبق منها إلا عض تماثيل الآلهة والملوك وبعض الكتابات ذات الطابع الديني. اندثر كل شيء وبقيت الأحجار المنحوتة والصور المجسمة والعبارات الدينية أو شبه الدينية التي لم يخل منها مبنى عام في العصور القديمة. مما أوحى إلى دارسي التاريخ المصري القديم أنها كانت مبان دينية محضة، وحرمهم من أن يمدوا أبصارهم قليلا خارج هذه الفكرة.(5)

من ضمن تلك الصروح.. معبد دندرة.

نظرة على معبد دندرة

على بعد عدة كيلومترات من مدينة قنا، يقع واحد من أجمل المعابد المصرية، إنه معبد “دندرة” الذي لا يوجد له مثيل في روعته وبقاء حالته المعمارية. وبشكل شخصي ما زلت أرى أن معبد دندرة هو أجمل وأروع المعابد المصرية القائمة.

حسب التأريخ الرسمي تعاقبت عليه أيادي البنائين بداية من عصر الأسرة الحادية عشرة (2130 ق.م) ثم عصر البطالمة كبطليموس الخامس عشر، واستمر بناؤه خلال العصر الروماني بإلحاق مباني أخرى. وحتى في العصر المسيحي. والمفترض أنه موطناً لعبادة “حتحور” إلهة الحب والجمال.

معبد دندرة

معبد دندرة – والذي سأسميه مجازا معبدا-. يحتوي على نقش ويعد السقف الدائري في المقصورة الثانية بالمعبد هو الأشهر والأهم. وقد حصل بعض علماء الحملة الفرنسية على موافقة محمد علي باشا بنقل السقف الأصلي إلى باريس حيث يعرض اليوم في متحف اللوفر (أستطيع أن أسمع زمجرة غاضبة صادرة من قبور قدماء المصريين على هذا الفعل الأحمق) . وفي مقابل ذلك قام علماء فرنسيون سنة 1920 بصنع نموذج للسقف وما يحويه من نقوش ورسوم، وهو الموجود الآن داخل المعبد ويراه الزائرون. وتلك الدائرة النجمية هي التي اقتبس منها العالم فكرة الأبراج، لقد ابتدعها أولا المصريون القدماء.

هندسة معمارية فريدة

يرتفع سقف المعبد الكبير على 18 عموداً، يبلغ ارتفاع كل واحد منها 18 متراً. ويزين قمة كل عمود أربعة وجوه ملونة لحتحور، وهي تنظر إلى الجهات الرئيسية الأربع. أما السقف، فينقسم إلى 7 أقسام تحوي نقوشا رائعة اً ملونة، وتحوي رسوما لحيوانات وللآلهة المصرية، والرموز النجمية ورموزا أخرى غامضة غير مفهومة.

وجوه حتحور كلها مشوهة – مع الأسف – ويبدو أن التشويه عن عمد. أحدهم كان غاضبا أو متعصبا فقام بطمس وتكسير أجزاء من الوجوه.

شرع المؤرخون في وصف روعة معبد دندرة على مر التاريخ، القواعد الأعمدة، النقوش، الرؤوس الحتحورية، الأسوار.. كل حجر أو عمود أو تصميم يشي بعقليات غير تقليدية تقف خلفه حتى يصل إلى ذلك المستوى.

أعمدة المعبد الكبير، يرتفع كل عمود 18 متر، ونستطيع أن نستنبط ضخامة الأعمدة بالنظر إلى حارس المعبد الجالس عند القاعدة.

الرواية الرسمية أن المصريون بنوا مدرجا، ثم سحبوا عليه احجار الأعمدة والأسقف التي تزن من 1 إلى 2 طن. ثم قاموا بتركيبها. لم أر تصورا كاملا لذلك أو محاولة لعمل تكرار عملي للتجربة، فهي كلها فرضيات.

كمحاولة لفهم كيف جمع قدماء المصريين بين الإبداع والهندسية في دندرة تتبعت خطوات كريستوفر دان في دراسته للأعمدة التي نشر تفاصيلها في كتابه عام 2010 (7). لقد استخدام أحد برامج الـ CAD الهندسية لتقسيم اللوحة كما بالأسفل.

هذه الدراسة على 6 أعمدة من إجمالي الـ 24 عمودا.
بالنظر إلى نسق الأعمدة، الخطوط الصفراء توضح اصطفاف الأعمدة الدقيق، والأسهم البيضاء هي المسافات بين الأعمدة وهي نفس المسافة (س) بين كل عمودين، الخطوط الصفراء دائما متقاطعة عند زاوية بزوايا قائمة، ويمر بمحاذاة الأعمدة. للوصول إلى تلك النتيجة كان يجب على يكون هناك تقنية ما للتأكد أن جميع أسس العمدان على نفس الخط.. هل استخدم القدماء تقنية بصرية لعملية التحقق؟ فكرة الخيط المشدود ستكون غير مقبولة لأن الاعتماد على العين البشرية في تحديد توازي الأعمدة وحده غير كافي.
الشكل البيضاوي الأحمر هي قاعدة غطاء رأس حتحور وتتطابق كذلك في الأعمدة الستة في الصورة، وسنتحدث عنها تفصيليا بعد قليل.

الخطوط الصفراء توضح اصطفاف الأعمدة الدقيق، والسهوم البيضاء هي المسافات بين الأعمدة وهي نفس المسافة (س)، والشكل البيضاوي الأحمر هي قاعدة غطاء رأس حتحور وتتطابق كذلك في الأعمدة الستة في الصورة

ما سبق يتكرر في نسق كل الأعمدة، هندسة فريدة من نوعها. لكن كيف رُكبت تلك الأعمدة؟
بالنظر إلى أسفل أحد الأعمدة سنجده مكون من طبقات حجرية، تلك الطبقات بينهما فاصل أقل من 50 ميكروميتر أي نصف سمك شعرة الرأس، وللوصول إلى ذلك كان يجب قطع الأحجار بمناشير ذات شفرات حادة قوية دون نسبة خطأ حتى تصير الطبقة مسطحة تماما.

رسم لأحد الأعمدة

لا شك لدي أن جميع الأعمدة كاملة الاستدارة بنفس القطر، لكن غياب فرصة التصوير من أعلى بسبب وجود السقف جعل من الصعب إثبات ذلك بعكس معبد سوبك مثلا.

الرؤوس الحتحورية

يحوي المعبد الكبير كما ذكرنا على 24 عمودا ضخما، كل عمود يحمل 4 وجوه لحتحور، فيعني هذا أن أمامنا 72 وجها لحتحور في تلك الصالة. ونحن إذ يظهر انبهارنا بحجم الأعمدة وكثرتها، لكن بدراسة رؤوس حتحور، ظهرت حقيقة أخرى أكثر إثارة للانبهار.

نحاول فهم عمود واحد من تلك الأعمدة، هذه الصورة لرأس أحد الأعمدة، والصورة بالأسفل ينقصها الدقة، فهي لم تكن سيمتريه تماما بسبب زاوية التصوير. لكن بدراستها على الكمبيوتر اتضح أن العمود يحتوي على جيومترية كاملة. المسافة (أ) كلها مساوية لبعضها، والمسافة (ب) كذلك، كما أن الشكل البيضاوي الذي يُمثل قاعدة لغطاء رأس حتحور متساوي. ونستنتج من ذلك حقيقتين مدهشتين. أولا أن وجه حتحور سيمتري تماما، وثانيا أن الرؤوس الـ 72 للأعمدة متطابقة هندسيا!

مجسم لرأس أحد الأعمدة
رسم مجسم لرأس أحد الأعمدة

وهذا ما يفجر العقل !.. 72 وجها لحتحور جميعها متناسخ وكأنها صُنعت من قالب واحد.
بالنظر إلى رسم لأحد تلك الرؤوس، تزن تلك الكتلة طنا تقريبا. لا نحتاج للكثير من الشرح لتوضيح حقيقة التقنية المتفوقة المستخدمة في معبد دندرة،

تحتوي أي عملية التصنيع عموما على 3 مراحل. أولا التصميم.. ثانيا التنفيذ.. ثالثا القياس، ليس بين أيدينا أي شيء خاص بفهم المرحلة الأولى والثانية، فلم نعثر على مخطوطات تصميم لأي أعمدة مصرية، ولا نعرف ما هي الطرق التي اتبعوها في التصميم. كذلك لم نعثر على أدوات فعالة للتنفيذ والتصنيع، باستثناء الأزاميل والمطارق الحجرية وما شابها، فليس أمامنا سوى مرحلة القياس Verification.. والتي ستعطينا بصيصا لما كان عليه تفوق هندسة البناء في مصر القديمة.
حين نطبق القياس على الأعمدة التي نراها بالأجهزة الرقمية، بالكاميرات، بالكمبيوتر وبرامج الـ CAD، فسنجد مستوى تلك الدقة الهندسية يفوق قدرات عصر الأسرات بمراحل بل ويتفوق على حضارتنا المعاصرة كذلك في كثير من الجوانب.

صورة لوجه منحوت على الخشب بواسطة ماكينة CNC

كيف نُحتت وجوه حتحور ثلاثية الأبعاد؟
لنحت وجوه مشابهة اليوم، فسنحتاج إلى الاستعانة بماكينات CNC Milling machines. تلك الماكينات يتم تحميلها بالتصميم المُراد نحته، وهي بهذا يُمكنها تحت مئات الوجوه من نفس القالب بنفس الملامح والنسب والمقاييس. أليس ذلك تفسيرا منطقيا لتطابق وجوه حتحور الثلاثية المجسمة؟ (يمكنك مشاهدة تسجيل كامل عن الـ CNC من هذا الفيديو).
أي أن الإستعانة بآلات وحده لا يكفي، بل يجب كذلك وجود جهاز كمبيوتر لتكرار ذلك الرسم دون نسبة خطأ.
بعد ذلك يتم رفع الوجوه وتركيبها على قمة الأعمدة.

 

تمثال لوجه حتحور – متحف اللوفر

بما أن الأعمدة شاهقة الارتفاع فكان من المتعسر التقاط أي صور لها بالمواجهة، لكن بالنظر إلى تمثال آخر لحتوحور سنفهم تلك الاستدارة في وجها، إن قلنسوة رأس حتحور هو جزء من دائرة، يُمثل أقل من نصف دائرة بقليل، ومعنى ذلك أن الوجوه نحتت بأداة تدور لها نفس قطر الرأس.
فلنسوة حتحور التي هي جزء من دائرة كاملة دليل آخر على تأكيد فكرة الاستعانة بالآلات. فلا يُمكن نحت قوس دائري بهذه الدقة يدويا خاصة أنه نسق مكرر 4 مرات في كل عمود.
بعد تلك النظرة السريعة على عماد دندرة. لن يكون مستساغا إذا سألنا كيف فعلوا صُنعت تلك الأعمدة أن تكون الإجابة لأنهم كانوا يقدسون حتحور تقديسا عظيما ويخلصون لها ومن ثم فقد خرج معبدها آية في الجمال. هذه ليست الإجابة التي نبحث عنها.

 


نقوش بارزة

لقد كان قدماء المصريين يعتقدون أن الآلهة هي نجوم السماء.. ولذلك كانت النقوش النجمية تملأ جدران أعمالها وسقوفها.
تملأ نقوش خلابة بألوان زاهية سقف دندرة.. وقد قام المرممون بعمل رائع في استعادة ألوانها السماوية.. فإذا رفعت نظرك للأعلى فعلى الأغلب لن تنزله مرة أخرى حتى يؤلمك عنقك من روعة النقوش.
النقوش تبدو كما لو كانت مجسمة، أو هي بالفعل مجسمة.. هناك كما هو معروف نوعان من النقش، النقش الغائر والنقش البارز، النقش الغائر هي أن يكون لديك لوحا أو جدارا حجريا فتقوم بالحفر عليه بأدوات حادة. أما النقش البارز شديد الصعوبة، وللحصول عليه عليك إزالة كل ما حولها باستثناء الحرف البارز. مما يضيف عقبات، لكن الذي يظهر من قدر النقوش التي تسد السقف أن القدماء وصلوا إلى قمة الجمال الفني بجانب الإبداع الهندسي.

على اليمين (جب) إله الأرض .. وعلى اليسار (نوت) إلهة السماء.. تغطي سقف المعبد

يظهر سؤالا هنا.. كيف صُنعت تلك النقوش خاصة أنها تغطي السقف كله وهي على ارتفاع 18 مترا؟!
هل بُني المعبد أولا ثم رُسمت النقوش فوقه أم أن النقوش رُسمت فوق أحجار السقف ثم وضعت؟
الأكثر منطقية من وجهة نظري أن الألواح نقشت ورُسمت ولونت على ألواح حجرية ثم رفعت على الأعمدة، إن ذلك يظهر كذلك في الفواصل بين ألواح السقف الملونة.

إذا من الصورة بالأعلى نحاول استنتاج كيف صنعوا ورسموا السقف، لقد قطعوا الألواح والقوالب من المحاجر، ثم قاموا بمعالجتها وتسطيحها، وبعد ذلك بدأوا النقش عليها نقشا بارزا ولونوها، ثم قطعوها ورفعوها. ويظهر على الصورة اليمنى أن جسم السمكة ورأسها كانا قطعة واحدة ثم قُطعا.

لقد كان بإمكانهم فقط أن يحفروا الأحرف، لكنهم لم يفعلوا ذلك، لقد أرادوا بلوغ درجة الكمال في الفن المعماري.

نقوش أخرى لسقف معبد دندرة .. غاية في الجمال والروعة

وتحوي السقوف كتابات هيروغليفية كثيرة، وصورا لجميع الآلهة المصرية القديمة، أوزوريس، سخمت، حورس، ايزيس، وكائنات مختلطة، مثل تيس بذيل سمكة، أو نصف فرس ونصف إنسان (القنطور) وكائنات أخرى عجيبة وفي ظني أنه حتى اليوم لم نتوصل للقراءة الصحيحة الكاملة للرموز الهيروغليفية.

نقوش من سقف دندرة

إذا لم تتح لك فرصة زيارة المعبد فيمكنك البحث في جوجل عن Dendera Ceiling لتشاهد صورا قمة في الروعة الفن والتي لن نوفيها حقها في المقال.


عُمران لم يعرفه التاريخ

إننا نبخس الحضارة المصرية حقها إذ نشرحها شرحا تاريخيا أو عقائديا فقط، فالمرشدون الأثريون مع ما أكن لهم من احترام وتقدير لمجهودهم في الشرح العقائدي والديني لمصر القديمة، لكن هذا لا يكفي وليس هذا هو ما يتمنى الجميع سماعه، يجب أن يكون هناك شرحا هندسيا موازيا لإظهار الشق الخاص بروعة المعمار.

لا ندعي أن الحضارة المصرية قد تفوقت على الحضارة المعاصرة في كل شيء. فلا نعلم إن كان وصلوا إلى أعماق البحار مثلا أو صنعوا طائرات نفاثة، هذا شيء لا نستطيع تأكيده، لكن ما نستطيع تأكيده حقا أنهم تفوقت تفوقا كاسحا على حضارات التاريخ في المعمار. وحتى يصل قدماء المصريون لذلك المستوى، كان يجب أن يسبقه علم وتجارب وتراكم خبرات لقرون طويلة.

إذا نظرنا حاليا فإن أي مبنى تجاوز عمره الـ 300 عاما يُصنف كمبنى أثري حتى لو كان قلعة صغيرة أو قصر متداع، ويوضع تحت معاملة خاصة ويخصص له تأمين وصيانة دورية لأنه يكون عرضة للتآكل بسبب شيخوخته. أما غابات الأعمدة الجبارة التي تملأ مصر القديمة فقد صمدت آلاف السنين، ولولا التخريب المتعمد في أعمدة دندرة لظننا أنها قريبة العهد بنا، مما يستوجب إعادة النظر والبحث في حقيقة عمران الحضارة المصرية الذي لم يعرفه التاريخ من قبل!


المصادر

  1.  جملة مشهورة للتيار الحداثي ساخرة لكنها واقعية.
  2. أميليا إدواردز آن بلانفورد إدوراردز (بالإنجليزية: Amelia Ann Blanford Edwards) ـ (17 يونيو 1831 ـ 15 أبريل 1892) هي روائية وصحفية ورحالة وعالمة مصريات إنجليزية.
  3. كتاب أهرامات مصر قلاع لا قبور – زهير على شاكر
  4. المصدر السابق
  5. المصدر السابق
  6. كتاب Lost Technology of Ancient Egypt لـ Christopher Dunn

4 رأي حول “إعجاز معماري في معبد دندرة

اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: