ممر أوزوريس

في كتابه عن مصر تحدث هيرودوت عن شيء غامض يقع أسفل أهرامات الجيزة. (1)

لقد تحدث عن غرفة في باطن الأرض. تصل إليها قناة من النيل .. وينساب الماء إلى داخل تلك الغرفة .. في وسطها جزيرة يرقد فيها (خوفو) نفسه حسب ما حدثه به المصريون في زمانه.

ولقد كانت تلك الرواية في عدة أسطر قليلة مما جعل الإلتفات إليها ضعيفا. خاصة أن كتاب هيرودوت عن مصر يمتلئ بمجموعة لا بأس بها من الشطحات الهيرودوتية  – مثل قوله أن الملك خوفو كان يرسل ابنته إلى الحانات لتتاجر بعرضها كي تجمع المال اللازم لبناء الهرم الأكبر – إلا أنه بعد ما يقرب من ألفي عام على رواية هيرودوت .. تم الكشف عما يُعرف حاليا بـ (ممر أوزوريس) .. مما جعلنا نُعيد النظر في كلام هيرودوت.

بين هرم خفرع الأوسط وأبو الهول كان هناك فتحة نفق صغيرة، لكن لم يُعرف ماذا تُخفي حتى أواخر التسعينات، إذ تم الكشف الكامل عن تركيب غير تقليدي لمجموعة من الانفاق والغرف في هضبة الهرم  يصل عمقها إلى أكثر من 35 مترا تحت الأرض .. أي يعادل عمارة من 10 طوابق محفورة في صخور هضبة الحيزة.

من حفر ممر أوزيريس ؟ .. ولماذا ؟ .. ومتى حُفر ؟
إننا دائما نرى الصروح الهرمية بضخامتها وغموضها فوق الهضبة لكن يبدو أن هناك أعمال هندسية لا تقل عظمة وغموضا تقع أسفلها.

لذلك ومع تكاثر الأسئلة نقول أن الحضارة المصرية ما زالت حتى يومنا هذا صندوق مغلق .. ولم يُكشف بعد من أسرارها وعجائبها إلا القليل .. وما نجهله أكثر بكثير مما نعرفه .. والتكهنات ما زالت أكثر من الحقائق.


الكشف عن ممر أوزوريس

كان أول ذكر لممر أوزوريس هو في تقارير حفريات للدكتور سليم حسن من عام 1933. وكان سليم حسن وقتها  مسؤولا عن  حفائر منطقة الجيزة. وقد استطاع مع فريقه الكشف عن جزء من تلك الأنفاق والممرات ، لكنهم وجدوا أن البقية قد غمرتها المياه. بُذلت جهود كبيرة لسحب تلك المياه إلا تلك المحاوالات لم تنجح وبقيت الأنفاق العميقة تسبح في الماء. مما جعل المهمة عسيرة أن مستوى المياه داخل الهضبة كانت مرتفعا بسبب فيضان النيل الذي كان يُحيط بهضبة الأهرامات كما لو كانت جزيرة، فتتسرب مياه إلى داخل الأنفاق والشقوق فيرتفع مستوى الماء في الأنفاق ويصبح التخلص منها شبه مستحيل.

عام 1999 كان قد مضى على انقطاع مياه الفيضان عن الهضبة ما يقرب من 30 عاما منذ الإنتهاء من إنشاء السد العالي .. وقد جعل هذا الهضبة جافة تماما ونزل منسوب المياه إلى درجات منحفضة، فأصبح من الممكن عمل تنقيب شامل في الممرات. على الرغم من أن المياه الجوفية لا تزال تغمر تلك المناطق. لكن عمليات الضخ كانت المستمرة من أجل للوصول إلى الغرفة السفلية.  قام د. زاهي حواس وفريقه بأول حفريات على نطاق واسع في تلك الأنفاق. وكشفوا عن ثلاثة مستويات مختلفة وكشفوا كذلك عن الغرفة السفلية.

وقد أعاد د. زاهي حواس تسميت تلك المجموعة النفقية  لتكون باسم (قبر أوزوريس) وهو اسم رنان أكثر من كونه مرتبط بحقيقة.

واجهة ممر أوزوريس، وهي موصدة بقضبان حديدية ومحظورة الدخول

مدخل الممر يقع بين هرم خوفو وأبو الهول الممر حاليا مغلق بقصبان حديدية ومحظور دخوله مثل كل أنفاق الهضبة.  وكل ما وصل لنا من قبر أوزوريس هو عبارة عن صور قليلة وعدة دقائق من فيديو صورته قناة (فوكس) الأمريكية في لقاء مع الدكتور زاهي حواس .. رئيس المجلس الأعلى للآثار آنذاك (2)

في جوف الأرض

اعتبار ذلك المبنى المركب مجموعة مقابر يسير في اتجاه اعتبار أن هضبة الجيزة بأهرامها ووما تحتويه في باطنها من أعمال هندسية هي مدينة للموتى. فإذا نظرنا مثلا لأنفاق ممر أوزوريس، فسنجد أن فتحاته مربعة 2 متر في 2 متر .. أما فتحات هرم منقرع فبالكاد 1متر في 1 متر. ومع ذلك يتم اعتبار الأثنين مقابر للدفن رغم الختلاف الكبير بينهما. فهل كان قدماء المصريين يرغبون في التضييق على موكب جنازة منقرع فجعلوا ممره ضيقا حرجا .. بينما أكرموا مدفن أوزوريس ؟!

فور الدخول إلى تلك الفتحة سيواجهك نفقا عموديا بعمق 8 أمتار، ثم المستوى الأول من الإنشاء وهو فارغ تماما.

بالأسفل شكل للمجموعة الإنشائية أسفل الهرم .. والمعروفة بممر أوزوريس .. هل يمكن أن يكون هذا التركيب المعقد قد حُفر فقط بواسطة المعاول في صخور هضبة الجيزة ؟ (3)

Osiris-Shaft2.png

ثم نفقا آخر أطول يؤدي إلى حجرة تحوي 7 غرف صغيرة تحوي 2 منها صناديق من الجرانيت الأحمر .. من محاجر أسوان .. يزن كل منها 20 طنا تقريبا.

أحد التوابيت الجرانيتية في المستوى الثاني

تم استخراج عدد من القطع الأثرية من هذه الغرف الجانبية، كقطع فخارية، وخرز خزفي ، وتماثيل حجرية صغيرة. وعُثر على بقايا هيكل عظمي متحلل في التوابيت الجرانيتية. بناء على ذلك  تم تأريخ القطع الأثرية والتابوت في تلك الغرفة إلى الأسرة 26.

كان هناك كومتين .. إحداها من الأواني الفخارية المحطمة والأخرى من العظام. حين سألت المذيعة الأمريكية الدكتور حواس عن فيما ستفيده الفخاريات والعظام ؟
فأجاب د. حواس : “العظام تخبرني عن أصحاب ذلك المكان. أما الأواني الفخارية فتخبرني بتاريخ المكان ..وهو .. 2500 ق.م”. (4)

ما قاله د. حواس هو عصب المشكلة في تأريخ الحضارة المصرية، وهو أصل الخلاف بين التيار الرسمي والتيار الحداثي.
دائما ما يتم نسب الصرح سواء كان فوق الأرض أو تحت الأرض لأول دليل حفري يجدونه. فما الذي يُثبت  أن تلك العظام هي بالفعل لأصحاب هذا المكان ؟ ألا يمكن أن يكونوا قد عثروا عليه لاحقا ووضعوا فيه موتاهم وأوانيهم الفخارية وقدورهم ؟

بينما السؤال الأول الذي يجب أن يُطرح لمعرفة أصحاب هذا الصرح هو كيف حٌفر هذا النفق .. معرفة الكيفية ستجلعنا نتيقن تماما أن الأسلوب والأدوات لم تكن موجودة من 2500 ق.م
لأن عمل كهذا هو عمل شاق بمقاييس عصرنا الحالي ويحتاج إلى آلات حفر قوية. وبما أنه ليس هناك أي آلات مُوثقة في سجل علماء المصريات أو الكتب أو المراجع .. فإننا بديهيا نقفز بعمر تلك الانفاق إلى عصور أقدم كثيرا مما هو معروف.

إن قطع مثل هذه الشبكة الضخمة في أعماق هضبة الجيزة سيكون مهمة صعبة للغاية ، ولا يكاد عمل العمال بأدوات برونزية خلال الأسرة السادسة ، التي استمرت من 2345 إلى 2181 ق.م. لم يظهر الحديد بأي كمية حتى القرن الثامن قبل الميلاد.

على الرغم من أن طاقم د. حواس قاموا بأعمال كبيرة للتنقيب ويجب أن يصفقوا لجهودهم، فإن العثور على الفخاريات من الأسرة الخامسة أو السادسة في الأنفاق لا يمكن أن يُشير إلى البناء الفعلي ، ولا للهدف الأصلي من بناءه الأنفاق والأعمدة.  وفوق ذلك فإن إغلاق مداخل هذه المواقع يعيق أي بحث إضافي عن حقيقة تلك الأنفاق.

المستوى الثالث السفلي .. والأخير من الأنفاق يحتوى على ما يعرف باسم (قبر أوزيريس) .. على أغلب الظن هذا الذي تحدث هيورودوت عنه .. بصندوق حجري يزن غطاءه فقط 12 طنا.

كان هناك آثار من الفخار المصقول الأحمر مع آثار من الطلاء الأبيض ، والتي يمكن ترجمتها بطريقة نمطية إلى الأسرة السادسة ، يمثل هذا الفخار أقدم مادة قابلة للتحليلات الكربونية موجودة في مجمع الأهرامات بأكمله. لا يمكن تحليل الأحجار لأنها في الغالب لا تعطي نتائج صحيحة، ولذلك يلجأ الأثريون إلى تحليل العظام أو الفخار أو غيرها من المواد الكربونية الذي بتحليله أشار إلى عهد الدولة القديمة.

أسئلة مُعلقة

من الأسئلة المعلقة هو كيف أنزلوا صناديق ثقيلة مثل تلك إلى الأسفل ؟
يعتقد علماء المصريات حاليا أن قدماء فعلوا ذلك بفكرة بسيطة وإن كانت شديدة الضعف من الناحية العملية، بل تكاد تكون مُنعدمة الفاعلية.

افترضوا أنهم بعد الحفر .. ملأوا الممرات والأنفاق بالرمال، ووضعوا الصندوق الجرانيتي الثقيل وفق الرمال .. ثم سحبوا الرمال من أنفاق أخرى فظل الصندوق يهبط حتى استقر في مكانه.

طريقة إنزال صناديق الحرانيت الثقيلة من أعلى لأسفل حسب ما قاله د. حواس ويبناه علماء المصريات

رغم صعوبة هذا العمل ومشقته .. وتطلبه لوقت طويل وعمالة غزيرة، إلا أن الاثريون يعتبرون أن هذه كانت الطريقة المُثلى لإنزال تلك الأوزان الثقيلة إلى قلب الانفاق، (لاحظ أنهم لم يستطيعوا طرح نفس الفكرة في أنفاق الساربيوم وذلك لأن النفق ليس له إلا باب واحد .. ومن ثم فلن يمكن تطبيق نفس الفكرة المطروحة). (5)

عند تحليل أي إنشاء خاص بالحضارة المصرية أو حضارات العالم القديمة عموما فإنه يتم التفكير فورا بأسهل وسيلة تم بها هذا العمل .. حتى لو تطلبت جحافل من العمال. يعتبر الأكاديميون أن قدماء المصريين كان لديهم كل أوقات الفراغ في العالم لكي يقوموا بمهامهم في إنشاء صروح عظيمة خالدة، وبذلك فليس هناك من حجة بأن تلك الطريقة مرفوضة منطقيا بسبب إستغراقها لوقت طويل. ويعتبرون أن أي معضلة هندسية لها حل يتلخص في الكثافة البشرية والوقت، بوساطة ذلك يتم تفسير إنشاء أي بناء هندسي حتى ولو كان خارقا للمألوف.

غطاء الصندوق الأخير .. يزن 12 طن

من باب أدعى أن نتسائل، إذا كانت تلك الأنفاق مقابر، فلماذا نزلوا بعمقها إلى 35 مترا ؟ .. أو لم يكن من الأيسر أن يحفروها على عمق 10 متر فقط أو أقل ؟ ثم سؤال آخر ..  إذا كان العمل اليدوي شاقا وخانقا بالتأكيد في تلك الانفاق المعتمة، فلماذا أصروا على نحت صناديق جرانيتية ثقيلة الوزن، من محاجر في أسوان حتى أن الغطاء وحده يُرفع بالسلاسل الحديدة ؟ مالذي كان سيضير إذا كانت الصناديق من حجر جيري أو من الخشب ؟ ولماذا أصروا أن يكون الصندوق منحوت كاملا من قطعة واحدة، ألا يكفي أن يكون الصندوق مكونا من 4 جوانب وقاعدة ؟!

في تلك النقطة في أنني أجد نفسي بين إجابتين ..
أولهما أن الأنفاق بهذا العمق والصناديق كانوا كذلك من أجل تأدية وظيفة هندسية محددة .. ولذلك كان لابد أن تكون الأنفاق بهذا العمق والصناديق بتلك الهيئة ليمتص ضغط قوي داخله، ذلك الضغط كان سيدمر أي وصلات أو لحامات بين الأجناب ولذلك فكان يجب أن يكون الصندوق قطعة واحدة.

الإجابة الثانية هي أن هؤلاء القوم لم يكن يعجزهم شيئ وكانوا يصلون إلى درجة الكمال في كل أعمالهم، وكانوا يتقنون نحت كل شيء من قطعة واحدة، كالمسلات، والتماثيل العملاقة، والصناديق الجرانيتية وغيرها. وأجد نفسي أميل أكثر للإجابة الأولى.

من بنى الأهرامات هو من حفر أسفلها ممر أوزوريس، كلاهما يعود إلى عهود سحيقة تُقدر بـ 10 إلى 12 ألف عام قبل الميلاد. أثار نفس العقلية الفذة ونفس الأدوات التكنولوجية، ويبدو لي أن الممر هو جزء من تشغيل المنظومة الكبرى التي تتكون من الأهرامات والأنفاق والمباني المقامة بهضبة الجيزة، وقد تحدثنا عن ذلك من قبل في مقال (الأهرامات والأنفاق مصانع الخلود).

كذلك من النقاط المثيرة في هذا الممر أن القدماء قد نحتوا 7 غرف، في حين أن اثنين فقط يحويان صناديق جرانيتية، ويبدو أن باقي الفتحات كانت كذلك في انتظار استقبال تلك الصناديق غير أن العمل توقف فجأة في ذلك الممر، ولعلك  تلاحظ التناسق والمنطق في كثير من أعمال مصر القديمة، أعمال تحوي تكنولوجيا متفوقة ثم توقف مفاجئ أو دمار. كلها أدلة تؤكد منطقية إندثار أصحاب الحصارة الأصليين بسبب كارثة مفاجئة.

الحضارة اللغز

في أوائل القرن العشرين ظهر متنبئ أمريكي يُدعى (إدجار كيسي) وزعم أنه وسيط روحاني .لم يكن إدغار كيسي يستطيع إجابة أي سؤال يُطرح عليه حول المستقبل .. مثل (ماذا سيكون مستقبل أمريكا في الـ 50 عاما القادمة ؟) لكنه كانت تحدث له نوبات من وقت لآخر وخلالها يبدأ الحديث عن أحداث مستقبلية كالحروب العالمية. في إحدى نوباته ذكر بأن الأهرامات المصرية عُمرها أقدم كثيرا مما يعتقد الباحثون .. وأن في مصر حضارة مفقودة موغلة في القدم بلغت مستوى راقيا من العلم والتقدم .. وأن أسرار تلك الحضارة وعلومها محفوظ في مصر في باطن الأرض وفي غرف سرية .. سيكشف عنها الغطاء يوما.
بعد أعواما طويلة من وفاة إدجار كيسي ظهرت كشف ممر أوزوريس .. وغرف أخرى أسفل أبو الهول .. مما استحضر علامات الإستفهام مرة أخرى.
بشكل شخصي لا أعتقد بوجود كتب أو سجلات أسفل أبو الهول وإن كنت رأيت الأنفاق والغرف أسفله – في الصور وليس عيانا بالطبع – والأسرار المحفوطة لن تكون في هيئة بيانات أو معلومات مثل عصرنا الحالي لكنها في هيئة آثار تحمل تكنولوجيا متفوقة عجزنا عن فهمها.

المصادر

  1. كتاب هيرودوت يتحدث عن مصر – ترجمة دكتور محمد صقر خفاجة
  2. حلقة The Lost Tomb .. نقلا عن قناة فوكس مع الدكتور زاهي حواس
  3. إعادة رسم ممر أوزوريس
  4. حلقة The Lost Tomb .. نقلا عن قناة فوكس مع الدكتور زاهي حواس
  5. مقال (صناديق السرابيوم) على هذه المدونة.

رأيان حول “ممر أوزوريس

اضافة لك

  1. اولا احييك علي الاستنتاجات الرائعة
    ثانيا لا شك ان هذه الممرات كانت لتشغيل الاهرامات علي اساس انها الات لتوليد قوة او شئ ما واعتقد ان كان ما يهم الانسان والبشرية الى وقتنا هذا الخلود والوقاية من هرم الجسد ولكن اللغز الاكبر هو لماذا هيئة الاثار تغلق هذا الممرات ام العلماء علي الاقل وليس العامة لخطورة المكان هذا هو السؤال

    Liked by 1 person

    1. أوافقك .. لقد كان للممر وظيفة فنية.. وهو مرتبط بتشغيل الأهرامات .. والإغلاق مثل كل الأنفاق .. لأنها لا تريد بلبلة من اي نوع حول فكرة ان الاهرامات قبور الاسرة الرابعة

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: