معجزة الأهرامات

إذا سألت أيا من الرحالة الذين يجوبون أرجاء العالم: أي المباني الأثرية تركت في نفسه أعمق الأثر؟ ففي الغالب ستكون الإجابة: أهرامات الجيزة (1)

لقد أعجزت الأهرامات بأحجامها الهائلة وهندستها وجمالها المعماري وبنيانها المُحكم أنبغ العقول العلمية على مر التاريخ.. يقف أمامها الناظر متوقفا عقله من كثرة الألغاز.! كيف قطعت الأحجار؟ وكيف جُلبت من محاجرها؟ وكيف رُفعت؟ ألغاز بعضها فوق بعض.

يقول الرحالة العربي ياقوت الحموي عن الهرمين الأكبر والأوسط:” وقد رأيت الهرمين وقلت لمن كان في صحبتي غير مرة إن الذي يتصور في ذهني أنه لو اجتمع كل من بأرض مصر من أولها إلى آخرها على سعتها وكثرة أهلها وصمدوا بأنفسهم عشر سنين مجتهدين لما أمكنهم أن يعملوا مثل الهرمين وما سمعت بشيء تعظم عمارته فجئته إلا ورأيته دون صفته إلا الهرمين فإن رؤيتهما أعظم من صفتهما!” (2)

حتى عام 1889، عام افتتاح برج إيفل.. كان الهرم الأكبر هو البناء الأعلى في التاريخ، ورغم وجود مباني متطورة عديدة في كل أنحاء الأرض.. من أبراج أو ناطحات سحاب، أو نُصب تذكارية، لكن يبقى حتى يومنا هذا الهرم الأكبر هو المبنى الأكثر دقة في التاريخ.

لقد أجهدت الأهرام العقول، وزارت العلماء والباحثين في أحلامهم، وشُدت إليه الرحال، حتى أن الخليفة المأمون جاء إليه رغم اتساع المسافة من كثرة ما سمع عنه!

وكتبت عن تلك الصروح آلاف الأقلام وأُلفت آلاف الكتب، لكن ورغم كل ما كُتب عن الأهرامات فلا نكاد نعلم عن حقيقتها إلا أقل القليل، بل لا نكاد نعلم شيئا.
يكتب شيخ الآثاريين الدكتور أحمد فخري عنه فيقول: ونحن لا نكاد نعرف شيئا عن الهرم الأكبر خلال أيام الدولة الوسطى، بل لم تصل إلينا أي وثيقة قديمة تجعلنا نجزم بشيء.. وساد الصمت نفسه خلال أيام الدولة الحديثة ولم نسمع شيئا عن الهرم الأكبر.. وكل ما وصل إلينا ما أشاروا به في بعض اللوحات إلى هيكلي «خوفو وخفرع» (3)

ستظل الأهرامات علامة على فجوة حضارية كبيرة بين القدماء وبين المعاصرين، مفاداها أن القدماء قد اكتسحوا المعاصرين في العلوم الهندسية والكونية.


لمحة عن الإعجاز الهندسي في الأهرامات

يُعد الهرم هو الرمز الأشهر للحضارة المصرية..
ذلك بلا شك بسبب ضخامته وروعته الهندسية، وإن كان مرورنا على باقي الآثار المصرية من أقصى الشمال لأقصى الجنوب أتاح لنا التأكد أن الأهرامات في عظمتها لم تكن أبدا استثناءً.. وأن كل حجر في مصر القديمة يشيء أن مهندسوه قد تمتعوا بعقلية غير تقليدية.

وبسبب ضخامة الأهرام فقد لفتت نظر الأولين والآخرين محاولين فك غموضه كل على طريقته، لكن يبدو أن الأهرام صرعت علميا معظم من حاول الاقتراب منها – أو على الأقل حتى يومنا هذا – وبقيت ألغازا محيرة لعلماء الفيزياء والجيولوجيا والفلك والمعمار بما ينضح به من أسرار كل يوم.

ملحوظة للقارئ: سيكون من المفيد المرور على المقالات الآتية في المدونة الخاصة بالأهرامات.. فسيساعدك هذا في تقبل تلك المقالة بشكل أسرع.. وهي على التوالي (حزام أوريون والعمر الحقيقي للأهرامات – الأهرامات كمحطات طاقة – الأهرام والأنفاق مصانع الخلود)
الهرم الأكبر من العلى .. وتظهر الدقة الهندسية، حيث قمة الهرم في منتصف المربع تماما

الشكل الهرمي في البناء شديد الصعوبة.. وصعوبته تكمن في أن أي إنحراف في زاوية الأضلاع ولو بدرجة صغيرة سيؤدي في النهاية إلى انحراف قمته وفساد شكله. إذ أن القمة يجب أن تكون دائما في منتصف المربع تماما، ربما يكون هذا سهل إذا كان الهرم صغير الحجم. فإذا نظرنا إلى عظم ارتفاع الأهرامات.. التي يفوق بعضها الـ 100 متر.. كأهرامات الجيزة ودهشور، واتساع القاعدة التي يصل الضلع فيها إلى 230 متر في الهرم الأكبر ويقل بدرجات في الأهرامات الأخرى، فسنعلم مدة صعوبة تلك المهمة.

 

اختيار الهرم رُباعي الأوجه كان لسبب.. ولم يكن لرمزيته التي تُماثل شُعاع الشمس كما يؤكد علماء المصريات فهذا ما لم يقدموا دليلا عليه، لكن الاقرب أن الشكل الهرمي له علاقة بالطاقة الكونية كما فصلنا في مقال (الأنفاق والأهرامات مصانع الخلود).

ما يقرب من 30 مليون طن من الأحجار من مناطق مختلفة بعضها انتقل لمسافة أكثر من 1000 كيلومتر بهدف إنشاء تلك الصروح الهندسية 10 مجموعات هرمية.. هذه الصروح هي أهرامات الدولة القديمة (من الأسرة الثالثة وحتى السادسة) والتي تبلغ ثمانية وعشرين هرما في بقعة صحراوية تمتد من أبو رواش في الشمال الى ميدوم في الجنوب على مسافة 80 كيلومترا طولا و 4 كيلومترات عرضا، والمعروفة بجبانة منف (أو ممفيس). وقد استهلكت أهرامات الأسرة الرابعة وحدها 80 % من هذه الحجارة وأشهرها أهرامات الجيزة خوفو، وخفرع ومنقرع. يقدر عدد حجارة خوفو بـ 2.3 مليون متوسط وزن الواحدة تتراوح من 1.5 طن إلى 15 طن. أما في حجرة الملك فيقدر وزن حجارتها بـ 70 طنا وهي كلها من الجرانيت الأحمر، ومجموع سقوفها الخمسة بـ 1500 طنا يُجلب من أسوان على بعد ألف كيلومتر. وتقع حجرة الملك على ارتفاع أربعين مترا داخل الهرم ولا يعرف كيف تم بناؤها بهذه الحجارة الضخمة، وهي اسوة بالهرم كله ألغاز مركبة. (4)

أضخم الاهرامات .. 3 في الجيزة خوفو وخفرع ومنقرع.. 2 بدهشور المنحنى والأحمر.. وهرم ميدوم بالفيوم

جميع الأهرامات تتجه بدقة إلى الجهات الأربعة الأصلية.. الشمال المغناطيسي الشرق والغرب والجنوب.

نقطة الشمال الحقيقي والشمال المغناطيسي

الشمال الجغرافي والشمال المغناطيسي غير منطبقان وهناك فرق في الزاوية بين الاتجاهين وقيمة هذا الفرق تختلف من منطقة لأخرى.
هذا الاختلاف بين الشمالين نتج عن حركة دوران الأرض وحركات باطن الأرض.
ما يهمنا هنا قول إن ذلك الفارق يُقدر بـ 4 درجات وربع عند نقطة الهرم الأكبر وهي محسوبة عند هضبة الجيزة ودهشور بدقة بالغة.
كيف توصل القدماء لمعرفة الشمال المغناطيسي ؟ هل كانوا على تلك الدرجة من البدائية التي تصورها الأفلام لنا ؟
لقد تجاوزوا معرفة الشمال المغناطيسي ببناء صرح يتجه كذلك للشمال المغناطيسي، ولا أشك لحظة أن ذلك يتعلق بوظيفة الأهرامات وعلاقتها بمغناطيسية الأرض.


الهرم الأكبر

استحوذ الهرم الأكبر على أعظم النصيب من الدراسات العلمية والفيزيائية والأثرية والجيولوجية بين الأهرامات المصرية والعالمية.. والسبب الرئيسي في ذلك هو ضخامته التي يتفرد بها. إذ أن الدقة الهندسية هي عامل مشترك في جميع الأهرامات. حتى أن روبرت بوفال صاحب نظرية “حزام أوريون” قال ذات مرة إذا أردنا اختيار قائمة من أعظم أثار الأرض، ولم يكن مُتاح لنا إلى خانة لكتابة أثر واحد، فسيكون بلا شك.. الهرم الأكبر. (5)

ننظر سريعا إلى أطوال أضلاع الهرم فنجدها كالتالي (6)

الجانب الطول
الجانب الشمالي 230 مترا و251 ملليمتر
الجانب الجنوبي 230 مترا و251 ملليمتر
الجانب الغربي 230 مترا و251 ملليمتر
الجانب الشرقي 230 مترا و251 ملليمتر

نجد فوارق طفيفة بين الأضلاع، وتلك الأخطاء شائعة ومقبولة في العرف الهندسي، لكن بالنظر إلى مقاييس أضلاع الهرم الأكبر نجد أي أن نسبة الخطأ في الأضلاع 0.08%! .. وهي نسبة تجعلنا نتفكر في ماهية أدوات القياس التي استعملوها في البناء والتي سيأتي الحديث عنها لاحقا في هذا المقال.

صورة للهرم من الأعلى عام 1940 وقت الاعتدال الربيعي ويظهر فيه 8 أوجه

من اللافت كذلك أن الهرم الأكبر له 8 أوجه لا 4 أوجه بعكس الشائع (2). وقد كشف ذلك طيارا إنجليزيا مصادفة كان يُحلق فوق الأهرامات عام 1940 يوم الاعتدال الربيعي 21 مارس قبيل غروب الشمس والتقط صورة له. أي أننا لم نكن لنكتشف تلك الحقيقة قبل اختراع الطائرات والتصوير.

 

الهرم الأكبر من ارتفاع 2 كم … ويظهر فيه بوضوح الوجوه الثمانية

لماذا ثمانية أوجه؟ ما علاقة ظهورها بالاعتدال الربيعي؟ لماذا الهرم الأكبر هو وحده من يتمتع بتلك الخاصية؟ ما زلنا عاجزين عن التوصل لإجابات شافية.

أن الهرم الأكبر هي نقطة المركز الجغرافي للمساحة اليابسة من الأرض

لولا الأقمار الصناعية لم نكن لنتأكد أن الهرم الأكبر هي نقطة المركز الجغرافي للمساحة اليابسة من الأرض التي وضع نظريتها الباحث الأسكتلندي تشارلز بيازي سميث عام 1864 بعد مجهودات شاقة ومضنية (7).. وكلها أدوات تكنولوجية ظهرت فقط في آخر 70 عاما.
مرة أخرى كيف.. ولماذا؟
يبدو بوضوح أن القدماء كانوا على دراية تامة بجغرافيا الأرض من الشرق للغرب. وإذا نحن أمام علامة استفهام كبيرة لا مجرد مدفن ملكي!

 

ممرات وغرف الهرم

من المعروف أن الهرم الأكبر مكتشف فيه حتى الآن ثلاثة غرف، الغرفة الرئيسية المعروفة باسم غرفة الملك، والتي دخلها معظم من زار الهرم الأكبر، والثانية غرفة الملكة، وغرفة ثالثة تقع أسفل الهرم داخل جسم الهضبة نفسه، يفسر الأكاديميون وجود 3 غرف في نفس الهرم بأن البنائين قد غيروا في تصميمه مرتين أثناء عملية البناء. فكانت غرفة الدفن في الأساس هي الغرفة التي تقع أسفل الهرم.. ثم تغيرت فأصبحت الغرفة الثانية (الملكة).. ثم تغيرت مرة أخرى فأصبحت غرفة الملك.. وهذا التفسير غاية في الغرابة، إذ أن بناء الغرفة داخل الهرم هو عمل شديد الصعوبة لأنه يجب في كل مرة تعميد ممرات لكل غرفة، فهل فعلا كانوا يغيرون الغرف بهذه السهولة أثناء البناء ؟ المنطقي أن تلك الممرات والغرف صُممت لتكون كذلك من أول يوم، أما تغييرها خوفا من لصوص المقابر هو سبب لا دليل عليه، والحقيقة أن بعثة المأمون لم تُسجل العثور على أي مومياوات لا لملك ولا لملكة ولا لأي شخص في الهرم الأكبر !

ممرات الهرم الأكبر تتحدث كذلك عن استثنائية هندستها. فإذا نظرنا إلى الممر الهابط في الهرم، هو ممر بطول 106 متر، 61 مترا منهم محفورين باستقامة داخل صخور الهضبة، بنسبة انحراف 6 مللي متر فقط !، أي أقل من 0.006% وهو رقم مستحيل باستخدام أدوات حفر يدوية، بل ومستحيل كذلك بماكينات حفر. (8)

 

رسم للثلث السفلي من الهرم الأكبر وفيه تظهر حجرة الملك والملكة والحجرة السفلية .. والممر الهابط بطول 106 متر، منهم 61 متر محفور في صخر الهضبة ذاته بنسبة انحراف 6 مللي فقط، أي أن نسبة الخطأ أقل من 0.006%
مقطع يوضح أحد الفتحات في حجرة الملك

هناك معضلة كبيرة في وجود أنفاق داخل الهرم.. فالموضوع شديد التعقيد بعكس ما يبدو على بساطته.. فالسؤال الآن.. كيف حفرت تلك الأنفاق والممرات؟

سنأخذ مثالا على الممرات الخارجة من حجرة الملك.. هذه الممرات لم تُحفر بعد رص الأحجار.. لكن ما حدث أن تلك الأحجار قد صُنعت فيها تلك الثقوب ثم رُصت متتالية.. فنتج عن ذلك فتحة نفقيه طويلة.. بطول ما يقرب من 50 مترا انتهت إلى الخارجة مُشيرة إلى مجموعة أوريون.

معنى ذلك أن في الرسم المقابل، تم صناعة ثقوب وفتحات في الأحجار من 1 إلى 5 بشكل غاية في الدقة والتناسق بحيث إلى وضعناها متتالية في هذا الشكل، صار النفق مستقيما متكاملا. تم عمل تلك الفتحات في حوالي 100 ألف حجر تزن من 2 إلى 15 طنا. إذا وضعنا كل ذلك ثم نظرنا إلى ضالة نسبة الخطأ، فنسبة الانحراف في الكوى النجمية أقل من 0.02%.. فسنجد هذا العمل المعجز في الفتحات النجمية يُعطينا نُبذة عن المستوى العلمي الراقي الذي تمتع به القدماء في بناء الأهرامات، ويدحض قطعا فكرة أخطاء المبتدئين التي يتبناها علماء المصريات حول مكان الغرف.

كان من السهل على مهندسي الهرم أن تكون الممرات والفتحات أفقية.. أو رأسية وبذلك كانوا سيتخلصون من عبء ثقيل في مهمة ثقب الأحجار، لكنهم أرادوا أن يجعلوها بزاويات حادة، مخترقة عددا كبير من الأحجار من جهات مختلفة.
كما قلنا هذا الفتحات لم تُحفر بعد رص الأحجار، لأن هناك نقاط عميقة في الممر بينما الفتحات ضيقة للغاية.. تصل أبعادها إلى 20×12  سم.. فكان لزاما أي يتم عمل الممرات في الأحجار قبل رصها وتركيبها. (9)

أصبح من الواضح أن تصميم الهرم قد وضعه مجموعة من المهندسين المجهولين الذين تمتعوا بدرجة عالية من المعرفة تكشف عن فهم للعلوم المعمارية والهندسية لم يتحقق لمن آتى بعدهم.. فحتى الأن ظل ذلك السؤال مطروحا بلا إجابة شافية عليه.. كيف نفسر ما تمتع به قدماء المصريين من قدرة على التصور الدقيق للحسابات الفلكية والحلول الرياضية والهندسة المعمارية اللازمة لتحديد موقع الهرم الأكبر واتجاهه وتوفير خاماته ثم تشييده على هذا الشكل المبهر؟
من الثابت أن بناء الهرم يعتمد على إدراك دقيق للنسبة التقريبية (ط) وهي العلاقة المعروفة بين محيط الدائرة ونصف قطرها، وكذلك النسبة الذهبية التي تحدث بها فلاسفة الإغريق بعد إنشاء الهرم بقرون. هذا مع إجماع علماء تاريخ الرياضيات على أن الاستخدام الأول للنسبة التقريبية (ط) بطريقة دقيقة بدأ على يد المصريين القدماء.

أحجار الأهرامات

ننتقل الآن لأحد الألغاز الأخرى وهي حجم حجارة الأهرامات، سيبقى تصميم الهرم وهندسته لغزا كبيرا.. لكن ما يعقد اللغز هو حجم الأحجار.. قد شط عقل الباحثين محاولين إجابة سؤال.. لماذا استعمل بناة الأهرام حجارة ضخمة في البناء؟ كيف قُطعت من محاجرها؟ كيف نُقلت؟ ثم كيف وُضعت ورُصت؟

صور توضح ضخامة حجم حجارة الأهرامات

نحاول فك بعض تلك الألغاز..
بالنظر إلى جوار هرم خفرع بهضبة الجيزة نرى آثار قطع الأحجار.. كما هو معروف قُطعت أحجار أهرامات الجيزة من جسد الهضبة نفسه.. أما الجرانيت الأحمر فقد جُلب من محاجر أسوان.

صور لجزء من المحاجر بين هرمي خوفو وخفرع

من الواضح أن حجارة الأهرامات قُطعت بعناية شديدة وبأسلوب غير معروف لنا حتى الآن، ونقتبس جزء من دراسات فلندرز بيتري عالم المصريات الإنجليزي في أواخر القرن الـ 19.. ماذا كتب بيتري عن دراسته لأحجار الأهرامات؟

رسم يوضح الكسوة الحجرية ودراسة بيتري عليها

قام بيتري بدراسة ما مساحته 3.5 مترا مربعا من الكسوة الحجرية الخارجية للهرم، أي ما يُعادل مساحة غرفة، الكسوة الحجرية البيضاء أتت من محاجر طرة، وقد وضع ما توصل إليه في كتاب الأهرامات والمعابد في الجيزة وبدراسة تلك المساحة وجد ما يلي:

“الغطاء الخارجي للهرم مسطح تماما، بانحراف أقل من 0.2 من الملليمتر في مساحة 3.5 متر مربع، والمسافات بين مكعبات الكسوة الحجرية نصف ملليمتر وبينها تقع مادة أسمتيه واضحة حتى اليوم.. وهي في قوتها وتماسكها تُعادل قوة الكسوة الحجرية نفسها. حجم الحجر من الكسوة الحجرية بين 16 إلى 20 طن للحجر الواحد. أكبرها حجما يبلغ 3 متر طولا و1.5 متر عرضا”. (10)

صورة من بقايا الكسوة الحجرية عند الهرم الأكبر (اضغط للتكبير)

بقايا الكسوة الحجرية ما زال موجودا حتى اليوم ومن الهام الانتباه لتفاصيل في القطع والبناء، لأنها تعطينا فكرة عن الوسائل التي اتخذها القدماء. فبالنظر إلى الوسيلة التي يتناها الأكاديميون في وسيلة قطع الأحجار نجد أنها لا تُعطي نفس النتائج.

لاقتلاع الأحجار من محاجرها يرى علماء المصريات أن المصريين جاءوا على المحاجر في جسد الهضبة ودقوا فيها أوتادا من عروق الخشب.. ثم بعد استقرارها صبوا الماء بداخلها.. فانفلقت الأحجار.. فقاموا بعمل صنفرة لها واستعملوها.

الحقيقة أن فكرة الخوابير الخشبية المضاف إليها الماء لن تعطي النتيجة بالأعلى، بل ستعطي نتائج مختلفة. ستكون شكل الأحجار بعد القطع مثل ذلك، متعرجة.

عند تقييم أي أثر، كمسلة أو تمثال، ولمعرفة كيف كان القدماء ينحتونه أو يصنعونه.. هناك 3 خطوات أساسية يجب اتباعها:

أولا: وضع فرضية عن كيفية صناعة ذلك الأثر.. مثلا إذا أردنا معرفة كيف قطع المصري القديم الحجر، فسنضع فرضية أنه فعلا هذا بالأوتاد الخشبية، أو المناشير النحاسية.. أو أي طريقة مشابهة.
ثانيا: الشروع في تطبيق الفرضية، بأن أقوم فعلا بقطع الحجر بالوسيلة المقترحة.
ثالثا وهي الأهم: مقارنة نتيجة ما صنعته بما صنعه قدماء المصريين.

أشهد أن علماء المصريات، والباحثين الرسميين، وأعضاء فريق نوفا وغيرهم قد قاموا بالنقطتين الأولى والثانية على أكمل وجه، أما النقطة الثالثة فهي مهملة ولا يتم النظر إليها، رغم أنها الأهم. هناك عشرات الافكار والطرق لقطع الأحجار من الهضبة.. بالفؤوس، والمناشير، بفصلها بأوتاد خشبية، بالطرق على الأزاميل.. لكن أي منهم يطابق النتيجة التي نراها حاليا في هضبة الجيزة؟
ليست الأهرامات وحدها بل إن معبد الوادي أمام أبو الهول كذلك -، أحجار الضحمة من الجرانيت متلاصقة بمسافات أقل من 0.2 ملليمتر، فما هي الأداة التي استخدمت في القطع؟

يتبنى كريستوفر دان فكرة جريئة عن وجود مناشير دائرية عملاقة استخدمت في قطع الأحجار (11).. هذه المناشير كانت قائمة في 9 فتحات بجوار أهرامات الجيزة، وهناك واحدة عند هرم أبو رواش، وأخرى عند سقارة.

فتحات حول الأهرامات .. يتبنى علماء المصريات أنها احتوت مراكب الشمس في العصور القديمة

يتبنى علماء المصريات أنها احتوت قديما على مراكب الشمس، التي يستخدمها الملك في رحلته بعد الموت لكن أيا من تلك الفتحات لم يُعثر فيها على اي مركب، وهذا الافتراض جاء فقط بسبب شكل الحفرة الذي يشبه القارب.

يرى دان أن تلك المناشير الآلية العملاقة هي التي استخدمت في قطع الأحجار، فكانت تعمل بواسطة محركات قوية، بسرعات متوسطة وعالية ومعامل اهتزاز منخفض أقل من 2 مم. وبذلك فهي فعالة لقطع الجرانيت والبازلت والأحجار بدقة عالية. (12)

صورة تخيلية لمناشير دائرية آلية عملاقة حول الأهرامات حسب نظرية دان

كل ما سبق هو فقط خدش للسطح حول الأهرامات وما تحويه من غموض وألغاز تقف العقول حائرة أمامها !


نظريات متعددة تحاول إجابة سؤال “كيف بُنيت الأهرامات” ؟ 

ظلت هواجس بناء الأهرامات تزور الجميع بلا استثناء. أظن أني قد مررت علي أكثر من 50 فكرة لبناء الأهرامات في الأعوام الثلاثة الأخيرة، من الرائع أن تكون كل تلك الأفكار مطروحة لبناء الأهرامات .. لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إثبات هذا الطرح .. ولإثباته لا بديل إلا بإعادة قطع وبناء ولو هُريم صغير من أجل إثبات فكرتك.

هناك 4 حتى الآن نستطيع أن نقول أنهم قدموا أدلة أو شبه أدلة على نظرياتهم ..

  1. البروفسور الكيميائي الفرنسي «جوزيف دافيدوفيتس» . استطاع بناء هرم صغير من حجارة مصنعة تحدثنا في مقال  نظرية بناء الأهرامات بالأحجار الخرسانية .
  2. البعثة اليابانية عام 1978
  3. عالم المصريات الأمريكي مارك لينر مع فريق نوفا وقد بنوا هرما صغيرا من الحجارة بطريقة يدوية وباستخدام أدوات بدائية.
  4. إدوارد ليدسكالني صاحب قلعة الصخور وسنتعرض له في آخر هذا المقال.

لكن قبل المرور على تلك الأدلة نمر سريعا على النظريات الأوسع انتشارا في بناء الأهرامات. رغم ضعف معظمها.

أولا.. المصاطب الرملية

قُطعت أحجار الهرم من المحاجر القريبة من الأهرامات وما زالت آثارها موجودة حتى اليوم كما رأينا.. وجُرت بوساطة الزلاجات والرجال والثيران، ثم يتم سحب الأحجار الثقيلة على مصاطب رملية حول الهرم حتى يتم رفعها ووضعها في مكانها.. ويعتبر الأثريون أن أقوى الأدلة على ذلك هي الاكتشافات الحديثة في التسعينات لمقابر عُمال الأهرام.. واحتوت على أثار لأواني طهي وأدوات للأكل بجانب الأهرام.. لأن البنائين كانوا يحتاجون لجيش آخر من الطُهاة وجلب الماء وإعداد المأوى إلى آخر الأعمال الخدمية اللازمة.
وفي هذا أُعلق سريعا أن اكتشاف 600 أو 700 هيكلا مدفونا حول الأهرامات لا يعني أنهم بناة الأهرام! حتى لو احتوت مساكنهم على أدوات طهي أو غير ذلك، فذلك لن يختلف عن اعتبار أن أي قبور حول برج إيفل هم بناة برج إيفل، وأي قبور في فلسطين هم بناة المسجد الأقصى، هذا لا يُعتد دليلا وإن كان الكشف قد أخذ شكلا دعائيا أكثر منه علميا ونُسب الكشف للدكتور زاهي حواس وهو أكبر اسم في عالم الآثار. (13)

 

الروافع الخشبية

صورة تخيلية للروافع التي ذكرها هيرودوت

وأول من ذكر ذلك تلك النظرية هو هيرودوت، حيث قال «أن 100 ألف عامل شاركوا في بناء الهرم الأكبر، يتم استبدالهم كل 3 شهور ويحل مكانهم غيرهم، واستغرق بناء الهرم 20 عاما وقد تم تشييد قاعدته أولا – ثم سحب الأحجار بواسطة الرجال من المحاجر.. ثم رفع الأحجار بواسطة آلات (أوناش) مبنية على عروق خشبية.. والآلات الخشبية ترفع الأحجار للدرجة الأولى.. ثم من الأولى للثانية.. ومن الثانية للثالثة..»  (14)
كيف تم رفع أحجار حجرة سقف الملك التي يزن كل حجر فيها من 70 طنا ؟ ما نوع العروق الخشبية التي تتحمل هذا الوزن الهائل؟!! ناهيك على أن تلك العروق الخشبية في كل جهات الهرم لاريب كانت ستسبب فوضى بسبب أحجامها! – ولماذا لم نكتشف أي من تلك الروافع.. هل اختفت جميعا؟
من اللافت للنظر أيضا أن هيرودوت تحدث في نفس السياق عن آلات حديدية استخدمت في بناء الهرم، رغم أنه من المعروف أن الأهرامات بُنيت في عهد الدولة القديمة والحديد اُكتشف بعد الدولة الحديثة.. أي بفارق 1000 سنة على الأقل.
التصور الذي وضعه هيرودوت كان نابعا من بيئته المحيطة البسيطة، لكن إذا وضعنا فكرة الروافع جنبا إلى جنب مع ذكره للآلات الحديدية، وبالنظر إلى حجم أحجار الجرانيت الذي يصل إلى 70 طنا في حجرة الملك فربما يقودنا هذا إلى شيء مختلف، شيء أقرب إلى التقنية المعاصرة التي نستخدمها.

هل استعمل القدماء أوناش حديدية عملاقة لرفع الأحجار ؟

ولا ريب أن تلك الأوناش قد أكلها الصدأ واندثرت وفنت وحدث معها ما حدث مع غيرها من الآلات كما فصلنا من قبل في مقال المسلة الناقصة وغيره على المدونة.

السحر والجن

بسبب البنيان العجيب للأهرامات وحجم حجارتها الضخم.. اتجه البعض لاعتبار أن الأهرامات نتاج لكائنات سفلية أو علوية.. ولأن الشائع عن قدماء المصريين أنهم برعوا في السحر، رغم أنه لا دليل على تلك الأكذوبة إلا الآيات التي تحدثت عن سحرة فرعون، رغم أن فرعون مقطوع بعدم انتماءه لحضارة وادي النيل، لكن هذا ما يُصدقه المعظم حاليا.. فقد اتجهوا إلى الإيمان أن الأهرامات بُنيت بالسحر، وفي هذا افتراء بالغ لأن السحر هو سحر العين لكي يرى الشخص أشياء لا تحدث في الحقيقة، أم أن يرفع السحر حجرا وزن 70 طنا إلى ارتفاع 100 متر فهذا لا يعدو كونه تخريفا.

تنتشر تلك النظريات بكثيرة بين حراس المعابد والآثار المصرية ففور مناقشتك لأحد أوليائك الحراس حول فكرته عن كيفية بناء تلك الصروح فإنه يشير فورا إلى دور الجن والعفاريت في ذلك،ربما لأنهم أكثر الناس تأملا لضخامة الأحجار من طول المكوث معها.. وقد انتقلت تلك الأفكار كذلك إلى عدد غير قليل من مرتادي تلك الأماكن ويكفي أن تفتح موقع مثل الفيس بوك مثلا على أي موضوع خاص بالأهرام أو التماثيل فتجد عددا لا بأس من التعليقات يجزم بدور الجن الأساسي في عملية البناء.

بنسب بناء الأهرامات إلى الجن فإننا نزيح عن عقولنا عبء التفكير في كيفية بناء أبنية كتلك.. ويؤمن بفكرة بناء الجن للأهرامات عددا لا بأس به من المصريين.
ولذلك من المنطقي ان نسأل.. من هو أكثر شخص سُخرت له الجن؟ الإجابة هو النبي سُليمان، وصنعت له تماثيل أبنية عظيمة.. ذُكرت في القرآن.. (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل).. وبنوا له كذلك صرحا بأرضية شفافة فوق الماء.. وجُعل له البناء والغواص.. لكن أين حضارة النبي سليمان الآن؟ لقد فنت واندثرت وانطوت مع الأعوام.. فهل منطقي أن حضارة سليمان التي لم يمر عليها 3000 عام قد اندثرت.. بينما الحضارة المصرية التي يبلغ عمرها 5000 عام على أضعف التقديرات ما زلات ملء السمع والبصر؟!

وهذا يدل أن العقل الإنساني هو الأقوى والبناء البشري هو الأبقى.. وأن ذكاء الكائنات الاخرى ينزوي ويضعف أمام عبقرية خليفة هذه الأرض.

سكان الفضاء

لأن الهرم يُعد مُعجزة هندسية وفلكية فقد اعتبره البعض إنجازا من إنجازات سكان الفضاء.. فعندما أخذت المركبة فإيكنج عام 1976  تلك الصورة من سطح المريخ، كان العلماء متحمسون لأسباب مفهومة. فلقد نقلت الصور المأخوذة وجها إنسانيا، يحدق بها من الظلال.. واعتبروه «أبو الهول المريخي» -وبالتالي فإن من بنى هذا على المريخ.. لاريب أنه هو نفسه من بناه على الأرض

أخذت صورة أخرى لنفس المكان عام 1998 من علو منخفض وبتكنولوجيا تصوير أعلى.. وفي الأغلب أن هذه تكوينات صخرية طبيعية للمريخ.

أصحاب هذه النظرية استعانوا بنقش معبد أبيدوس الشهير. والذي يظهر فيه هليكوبتر ودبابة وطبق طائر.. لإثبات أن المصريين القدماء كانوا على اتصالات بحضارات فضائية.. ثبت فيما بعد أن ذلك النقش عبارة عن نقشين محفورين فوق بعضهما أحدهما لسيتي الأول والآخر لرمسيس الثاني فنتج عنه هذا الشكل الثالث،

إلغاء الجاذبية

من الأفكار الرائجة كذلك حول بناء الأهرامات ورفع أحجارها الثقيلة.. أن ذلك تم عن طريق إلغاء الجاذبية..
لكن قبل أن نبحث هل توصل القدماء إلى إلغاء الجاذبية أم لا.. نحتاج أولا أن نفهم.. ما معنى إلغاء الجاذبية؟ إن فكرة إلغاء الجاذبية موجودة بكثرة في حياتنا المعاصرة.. المصاعد الكهربائية عبارة عن تطبيق من تطبيقات فكرة إلغاء الجاذبية.. فبواسطة الكهرباء نولد قوة معاكسة لاتجاه الجاذبية تستطيع رفع عدة أطنان إلى ارتفاعات عالية. الطائرات بأنواعها صورة من صور إلغاء الجاذبية.. الأوناش والروافع.. وغيرها.. كل تلك صور لإلغاء الجاذبية أو بمعنى أدق التغلب على تأثيرها.

وفي كل الأحوال فإن إلغاء تأثير الجاذبية سيحتاج كذلك إلى معدات وتكنولوجيا متطورة من التي نتحدث عن وجودها في تلك المدونة.. إما اعتبار إن إلغاء الجاذبية تم عن طريق مثلا رش البخور أو قراءة التعاويذ والتمام على الحجر الثقيل فيرتفع إلى الهواء ويصير خفيفا مثل الورقة.. فذلك ما لا يقبله عقل ولا منطق.

تحدث الدكتور سيد كريم أستاذ هندسة العمارة بجامعة القاهرة أن قدماء المصريين استطاعوا رفع الأحجار وتحريكها مسافات طويلة بواسطة شحنات استاتيكية أو مغناطيسية.. وشخصيا لا أستبعد هذا الحل. (15)

لفهم ماهيته.. احضر قطعة ورقة صغيرة ثم مزقها لأجزاء شديدة الصغر قدر المستطاع.. أحضر قلما بلاستيكيا ثم قم بحكه في قطعة صوف وقربها فوق الأوراق الصغيرة.. نتيجة لشحن القلم بشحنة سالبة.. سترتفع الأوراق الصغيرة بجاذبية الشحنات.
القطار الياباني السريع الذي تصل سرعته لـ 500 ميل في الساعة.. يندفع بتلك السرعة نتيجة التنافر بين مغناطيسية القضبان والقطار نفسه.. هناك تطبيقات عديديه للمغناطيسية يمكن من خلالها رفع الكتل، لا أستبعد وجود تقنية مشابهة في مصر القديمة لرفع أحجار الهرم.

التجربة اليابانية 

عام 1978 .. جاءت إلى مصر بعثة علمية يابانية مكونة من 24 شخصا تضم معماريين ومهندسين وفنيين وعلماء آثار وذلك من أجل التحضير لتجربة الفريدة .. تجربة بناء الهرم .. وقاموا بدراسات تحضيرية سعيا لعمل ذلك النموذج الصغير .. متبنيين نظريات البناء البدائية المعروفة عن مثل قطع الأحجار بواسطة الأزاميل ورصها بواسطة الرفع الحبال والوسائل اليدوية الأخرى.
البعثة يقودها ساجوكي يوشيمورا Sajuki Yoshimura- عالم آثار من جامعة واسيدا اليابانية.. يقول عن نفسه “من وقت أن رأيت الأهرامات المصرية، صار حلمي أن أنشئ هرما صغيرا”
قرر التليفزيون الياباني تمويل مشروعه وسيكون العائد من خلال تصوير عملية بناء الهرم وتحويلها إلى فيلم وثائقي.
حاولت الدراسات التحضيرية التي قاموا بها العثور على إجابات لبعض الأسئلة مثل :
– كم عاملا يلزم لسحب مكعب حجري بوزن 4 طن ؟
– ما حجم الزلاجات أو البكرات المستخدمة لنقل الأحجار ؟
ما الطريقة المتبعة لجعل مجموعة كبيرة من العمال بسحب حجرا ثقيلا في نفس الوقت بكفاءة .. هل باستخدام إيقاع الطبل ؟

واتفقوا مع الحكومة المصرية على بناء هرمهم الصغير بجوار أهرامات الجيزة على أن يتم بعدها إزالة الهرم وتنظيف المنطقة تماما وإعادتها إلى ما كانت عليه.
كان المخطط في البداية أن يُبنى الهرم بارتفاع 20 متر .. بنظام المصاطب .. وأن يتم البناء بواسطة 100 عامل مصري.
كان قطع الأحجار يتم في محاجر طرة .. في الجهة المقابلة من وادي النيل .. وهي نفس الأحجار التي استخدمت في الكساء الحجري وما زالت آثاره عند قاعدة هرم خوفو وقمة هرم خفرع.
ورغم العلم والمعرفة والذكاء التي تتمتع به العقول اليابانية إلا أنها صُدمت بأشياء غير متوقعة.
وجدوا أن تقطيع الأحجار مهمة شديدة الصعوبة ومكلفة في الوقت والمال، فخفضوا ارتفاع الهرم فورا من 20 متر إلى 10 متر.

ثم كانت المشكلة التالية في كيفية نقل الأحجار من طرة إلى هضبة الجيزة .. فكرة الطفو فوق الأطواف الخشبية أو حتى القوارب فشلت .. فاستعانوا ببواخر لنقلها.

ثم بعد نقل الأحجار للناحية الأخرى من النيل بوساطة تلك القوارب بدأ العمال في سحبها .. لم تتحرك الأحجار ولا حتى نصف سنتيميتر .. لأن جعل 50 عاملا يقومون بسحب حجر بوزن طن هي عملية ليست سهلة كما تبدو، فستحتاج إلى خلق انسجام بين العمال لسحب الحجر في نفس ذات الوقت وإلا ستتشتت جهودهم.
تم مد خط سكة حديد صغير من النيل إلى موقع البناء تمر عليه عربات حديدية صغيرة من أجل إيصال الأحجار إلى الهرم.
بعد وصول الأحجار إلى سفح الهرم المراد بناءه لم يستطع العمال رفع الحجر أكثر من عدة سنتيمترات .. ومرة أخرى لجأ المهندسون اليابانيون إلى الإستعانة بأوناش ورافعات كبيرة من أجل رفع رص الأحجار .. بل واستعانوا في بعض الأحيان بطائرة هليكوبتر لضبط الأحجار في أماكنها. واقتصرت مهمة العمال على مساواة الأحجار بعض وضعها فوق الهرم.

في النهاية .. لجأ المهندسون اليابانيون إلى الإستعانة بأوناش ورافعات كبيرة من أجل رفع ورص الأحجار بعد فشل الطرق اليدوية (اضغط للتكبير)

لم يحتو الهرم الياباني على أي صخور جرانيتية، ولم يحتوي على أي ممرات بل كان عبارة عن مجموعة من الأحجار المرصوصة.
ورغم ذلك فقد فشلت التجربة اليابانية! لقد بنوا الهرم فعلا ووضعوا فوق قمته البن-بن الصغير.. لكنهم فعلوا ذلك بكل الوسائل الحديثة التي توفرت.. من مناشير كهربية لقطع الأحجار إلى مراكب بخارية لنقلها إلى عربات وأوناش وهليكوبتر!

وهذا يؤكد أن النظريات اللا معقولة التي وُضعت في الكتب على مر الأزمنة ليست أكثر من مجرد حبر على ورق .. تسقط صريعة إذا ما واجهت التطبيق العملي. (16)(17)(18)

لم تختلف نتيجة فريق NOVA عن تلك كثيرا.. كثيرا من العمال والحبال والأساليب اليدوية.. ثم نتائج ضعيفة لا ترقى لمستوى الدقة الذي نراه في حجارة الأهرامات، لقد بنوا هرما صغيرا بارتفاع بحجارة لا تزيد أثقلها عن 1.5 طن، يختل
لا يُمكن إلقاء الأسباب دوما على العقيدة والإيمان.. فالمصري القديم بنى الهرم لأنه كان يؤمن بما يفعل.. هذه أسباب هزيلة نلقي بها عن ظهورنا عبء التفكير والبحث عن الحقيقة.
هل مات سر بناء الهرم؟ أم أن أحدهم عرفه؟
هنا يظهر شخصا يُدعى إدوارد ليدسكالني ليجبرنا على إعادة التفكير في هذا السؤال.

صاحب قلعة الصخور الذي عرف سر بناء الهرم (19) (20)

إدوارد ليدسكالني

عند الحديث حول بناء الأهرامات وقطع الحجارة الضحمة ورفعها، فإن الحديث يتطرق حول ما يُعرف قلعة الصخور أو المرجان (Coral Castle)، أنشأها مهندس أمريكي غريب الأطوار اسمه إدوارد ليدسكالني خلال الفترة 1887-1951م بمفرده! وهذا السر يحير الأوساط العلمية حتى الآن. تقع القلعة في بلده في ولاية فلوريدا، بأمريكا، وهي تضم مجموعة غريبة من المنشآت الحجرية.

للموضوع قصة تُروى، فقبل بناء القلعة، انفصل إدوارد عن خطيبته حيث كانا يعيشان في لاتفيا، وذلك قبل يوم واحد فقط من الزفاف، فترك لاتفيا ذاهباً إلى أمريكا، وشرع في بناء قلعة الصخور واستغرقت منه عملية البناء أكثر من عشرة أعوام عمل خلالها وحده بعيدا عن الأنظار وخلال الليل فقط، رافضا السماح لأي شخص عرض عليه أن يعمل معه.

بعد وفاته عام 1951، بدأ استكشاف ما تم إنجازه على يد إدوارد.. وقد قُدرت أوزان الصخور المستخدمة بـ 1100 طنا من الصخور.. وهو يُعتبر وزنا هائلا بالنظر إلى أنه كان يعمل منفردا بمعدات وآليات متواضعة.

لم يُفهم كيف بنى شخصا واحدا هذه الكمية من المنشآت.. كان في ذلك علامة استفهام كبيرة!
عندما سُئل ليدسكالنين شخصياً كيف قام بهذا العمل البطولي أجاب بأنه فهم قوانين الوزن وقوة الرفع وقال: ” لقد اكتشفت أسرار بناء الأهرامات من قدماء المصريين”.!
كذلك أورد في كتاب مدرسي ألفه عام 1945 جاء فيه: “إن فهمنا الجديد لظاهرة المغناطيسية سيتيح لنا مستقبلاً إلغاء الجاذبية وجعل الحجارة الضخمة تطفو في الهواء”.

صورة تظهر قلعة الصخور بمنحوتاتها الحجرية الكبيرة .. نُحتت ورُفعت بوساطة شخص واحد فقط!

ليس من المستعبد أن يكون ليدسكالنين قد وضعه يده على فهم علوم قدماء المصريين ومن ثم تمكن من بناء قلعته.
لقد عكف الكثيرون على دراسة المكان لمعرفة سر التعامل مع هذه الصخور الثقيلة بهذه السهولة ولكنهم لم يصلوا إلى شيء حتى يومنا هذا!، وأخيرا، وجد المهتمون دلالات متعددة ومتنوعة تركها إدوارد على الصخور، بعضها رسومات، وبعضها أرقام، وبتحليل هذه الدلائل توصلوا إلى أن الرجل استطاع بعلمه وفهمه المتعمق للمغناطيسية أن يرفع تلك الصخور بأوزانها الثقيلة بمعدات بسيطة صممها بنفسه.

باب القلعة ويزن 9 طن

لم يكن منبع دهشة الزوار في ذلك الوقت للتفاصيل المبنى نفسه رغم أناقته. بل لكيفية بنائه من قبل شخص واحد. فأصغر الحجارة في القلعة تزن أربعة أطنان! ويوجد بعضها على ارتفاع عال. كما توجد عوارض حجرية مصنوعة من كتلة واحدة تزن 30 طنا موضوعة أفقيا فوق المداخل الرئيسية ناهيك عن “كرسي هزاز” يزن ثلاثة أطنان ومكاتب حجرية منحوتة من كتلة حجرية واحدة.
باب التسعة طن – باب القلعة الرئيسي- أعجوبة قائمة بحد ذاتها؛ فإطار الباب عبارة عن تجويف صخري يتجاوز عمقه المترين وطوله الستة أمتار.
في عام 1986م توقف الباب عن الفتح.. فجُلب فريق من المهندسين للاستشارة، فأزال الباب 6 رجال واستعملوا 50 طن رافعة!

منظار الدب القطبي .. يشبه المسلة بطول 8 متر ووزن 30 طنا!

هناك كذلك عدة منشئات تُثير الدهشة مثل منظار النجم القطبي وهو منظار صخري يشير يشبه المسلة دائماً يشير إلى النجم القطبي، ارتفاعه 8 أمتار ويزن 30 طناً تقريباً.

نافورة مائية تمثل البدر وتزن 23 طناً. وقد استعمل هذه النافورة كبركة للأسماك. ومنشئات أخرى عديدة لا تقل في الوزن عما سبق.

إذا عقدنا مقارنة سريعة بين قلعة الصخور (1100 طن) والهرم الأكبر مثلا (4.5 مليون طن)، فسنجد أن ما يقرب 5000 آلاف شخصا فقط يمكنهم بناء الهرم الأكبر في مدة 10 سنوات، فالموضوع لا يحتاج هذه الأعداد التي نقلها هيرودوت وتبناها معظم الأكاديميون لاحقا.. البناء لا يحتاج إلى كثافة عددية بقدر ما يحتاج إلى علم وأدوات.

 

 

 

غرفة الأدوات داخل القلعة

مات إدوارد ليدسكالنين عام 1951، ومات معه سر البناء.
في أحد جوانب قلعة الصخور غرفة صغيرة وضعت فيها ما ووجد من أدواته، لا ريب أن تلك ليست كل الأدوات، وهي عبارة عن تروس حديدة وسلاسل وروافع.

عندما ادعى فريق نوفا بقيادة مارك لينر فهم سر بناء الهرم فإنهم بنوا هرما صغيرا بارتفاع بضعة أمتار وبحجارة لا يزيد وزن أكبرها عن 1.5 طن.. وحينما ادعى إدوارد ليدسكالني كشفه لسر بناء الهرم فإنه قطع ورفع أثقالا بأوزان تصل إلى 30 طن! من المؤسف أن الكاميرات التليفزيونية كانت موجودة عند بناء هرم نوفا لكنها كانت غائبة عند بناء قلعة الصخور.

هل يمكن أي يأتي اليوم الذي نفهم فيه كيف بُني الهرم؟ يبدو أن إدوارد ليدسكالني قد فعل.. وإن كان أحدهم قد فعل فلا ريب أن الإجابة ممكنة!

المصادر

  1. كتاب الأهرامات المصرية – للدكتور أحمد فخري
  2. كتاب معجم البلدان – ياقوت الحموي
  3. كتاب الأهرامات المصرية – للدكتور أحمد فخري
  4. كتاب لغز الهرم الأكبر – الأستاذ أنطوان بطرس
  5. محاضرة لروبرت بوفال بالولايات المتحدة الأمريكية عن حزام أوريون
  6. كتاب لغز الهرم الأكبر – الأستاذ أنطوان بطرس
  7. موسوعة ويكيبيديا عن مركز اليابسة فوق سطح الأرض
  8. كتاب Giza PowerPlant لـ Christopher Dunn
  9. المصدر السابق
  10. كتاب الأهرامات والمعابد في الجيزة لـ فلندرز بيتري – Flinders Petrie
  11. كتاب تكنولوجيا مفقودة في مصر القديمة لـ Christopher Dunn
  12. المصدر السابق
  13. كتاب بُناة الأهرام – د. زاهي حواس
  14. كتاب هيرودوت يتحدث عن مصر – ترجمة الدكتور محمد صقر خفاجة
  15. مقال في جريدة الأهرام المصرية
  16. فيلم وثائقي بعنوان How was the Great Pyramid Built Unknown by Japanese Research
  17. كتاب (نبوءة الهرم) – ماكس توث
  18. مقال عن Sajuki Yoshimura في النيويورك تايمز
  19. موسوعة ويكيبيديا عن قلعة المرجان
  20. كتاب Giza PowerPlant لـ Christopher Dunn

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑